آراء ومقالات

الله.. الوطن.. الملك.. إشكالية الديموقراطية والتأويل السياسي للمقدسات

# المصطفى مرادا

المصطفى مرادا
المصطفى مرادا

لطالما استعملت الديمقراطية بمعان دعائية، كغطاء لنظم سياسية اختارت طريق تركيز كل السلط في أيدي حكام أفذاذ، حكام من طراز خاص يمكنهم الإفتاء في كل أمور الدين والدنيا، لذلك لا يترددون في ممارسة شتى أنواع القمع والاضطهاد على الشعوب باسم الشعوب، وإجهاض أحلامها المشروعة بالديمقراطية باسم الديمقراطية أيضا، وهذه المفارقات الصارخة أصبحت سمة مميزة لنظم سياسية يتخذ فيها المقدس السياسي والاجتماعي سرابيل المقدس الديني، ويتخذ فيها المقدس الديني أيضا أشكالا انتقائية صارمة، كالتشديد على مذهب فقهي بعينه، كما يتخذ مفهوم سيادة الشعب أشكالا غرائبية نظير ما يحدث اليوم في ‘غرب آسيا المريض’ على حد تعبير درويش رحمه الله، مع اختلافات طفيفة لا تغير من الشكل العام لنوعية السلطة السياسية.

أما عندنا في المغرب فإن السلطة السياسية استطاعت أن تكتسب مرونة وقدرة على التكيف، محاولة منها التماهي مع مؤسسات الحداثة السياسية، هكذا كان النظام المغربي السباق منذ الاستقلال في المنطقة العربية على الأقل، إلى اختيارات سياسية وحقوقية واقتصادية مثل ‘الاقتصاد الحر’ المستند للفكر الليبرالي، وكذا ‘التعددية السياسية’ المستندة مبدئيا الى الممارسة الديمقراطية، ثم إقرار حقوق الإنسان في صيغتها العالمية دستوريا، وهي اختيارات كانت تعد إلى عهد قريب من قبيل ‘الرجعية’ و’الإمبريالية’ إلى غير ذلك من الشعارات التي كان الاتحاد السوفييتي عرابها الكبير، لكن إلى أي حد يمكن الدفاع عن حالة الاستثناء هذه؟ وهل احتفظ نظام العهد الجديد على مدار السنوات المنصرمة على روح هذه الاختيارات الإستراتيجية؟ ألا يتم إفراغ المؤسسات الديمقراطية عندنا من مضامينها – المتمثلة في خدمة المواطنين – بالممارسات القضائية والتنفيذية المستندة لتأويلات تدعي الدفاع عن مقدسات الله والوطن والملك؟

إن المتتبع للتوجهات السياسية والتدبيرية لقطاعات الاقتصاد والتعليم والمجتمع، التي نهجها العهد الجديد سيتبين إرادته الواضحة في طي صفحة ماض سمي رصاصا وجمرا، وسن خطوط كبرى لما ينبغي أن يكون عليه النظام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلى غير ذلك مما لا يمكن لأي عاقل أن ينفي عنه صفة الشجاعة والجدة، غير أن مواطَنَتنا تأبى أن تطمئن لكل هذا مادامت في الذاكرة أشياء تستحق الانتباه، أشياء كان يقوم بها نظام سنوات الرصاص بشكل يتناقض تماما مع ما كان’مصطفى العلوي’ يشنف أسماعنا به كل حين، تناقض يصل إلى درجة ‘السكيزوفرينيا’، ففي الوقت الذي كان النظام يفتخر بوزارة لحقوق الإنسان، كانت آلة الاختطافات والتعذيب في المخافر تمارس عملها المرعب، وفي الوقت كذلك الذي كان النظام يجري فيه الاستفتاءات كآلية شعبية حضارية، كان ‘الشيوخ’ و’المقدمون’ ينوبون عن المواطنين في التصويت بـ ‘نعم’ أُريدَ لها أن تكون بنسبتها الشهيرة.

إن هذا يسمح لنا بتشريح مكامن التناقض التي تخترق العهد الجديد، وكلنا أمل أن يتم الوعي بها لرفعها، وهذا يفرض علينا التسليم بقناعة مبدئية، وهي إعلاننا القطيعة التامة مع المقاربات العدمية المتوارية خلف أقنعة الإمامة والمنجل معا، والتي تستغل هذه التناقضات لتصويغ تجارتها لليأس، وعليه، سننطلق في المقابل من واقع التأويلات التي تعطى لمفهوم المقدس لاستصدار أحكام قضائية وقرارات حكومية هي في الطرف الأقصى لما ينبغي أن تكون عليه دولة الحق والقانون.

يرتبط مفهوم التأويل دوما بلحظات الالتباس، التباس في التواصل يدفع الناس إلى افتراض ما يعتقدونه المقصود والمراد المسكوت عنهما، غير أن التأويل السياسي لا يأخذ دوما هذه الأشكال العفوية التي اتخذها في التواصل اليومي، بل يتخذ أحيانا كثيرة شكل النية المبيتة في ترجيح هذا الفهم أو ذاك، أو شكل التوجيه القبلي المقصود، لذلك كان التأويل في مجال السياسة كنظيره في مجال الحب، يستمد مشروعيته من الوهم والهذيان حتى باعتبارهما مستنقعين للايديولوجيا بامتياز، وهذا مما يمكن أن يشكل موضوعا أثيرا لمبحث السيميولوجيا، غير أن الالتباس السائد في مشهدنا السياسي الوطني، سمح بتزايد ‘النشاط التأويلي’ لدى مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، فتأويل الحق في العمل السياسي هو ما فرخ عشرات الأحزاب الميكروسكوبية التي لا تخاطب إلا نفسها، كان آخرها الفأر الذي تمخض عن مخاض حركة كل الديمقراطيين، والمسمى ‘الأصالة والمعاصرة’.

فاستعارة النشاط التأويلي كانت السبب الموضوعي وراء ظاهرة العدمية السياسية التي دفعت المواطن إلى مقاطعة انتخابات 2007، وإلى الخروج العفوي للاحتجاج على ضعف القدرة الشرائية والبطالة، عندما تبنى تأويلات سياسية أفرغت هذه المحطة الديمقراطية وغيرها من مضمونها الحقيقي، وعندما تم التأكد من عمالة ووصولية من حملوا أنفسهم مهمة الدفاع عن المواطن، وكان من نتائج هذا الوضع دخول المواطن المغربي في وضعية سكيزوفرينية غريبة في علاقته مع السياسة والسياسيين، ‘أصواتنا مقابل بقشيش جيوبكم’.

عود على بدء، ونقول إن نظامنا السياسي الجديد وبعد إحدى عشرة سنة، لطالما صرح بديمقراطيته، غير أن التأويلات التي تعطى لبعض فصول الدستور، والمتعلقة خاصة بشخص الملك، تخضع لتأويلات متناقضة، فعلى سبيل المثال، لما رجع الملك إلى البرلمان لاستصدار مدونة الأحوال الشخصية، اعتبر هذا الإجراء ديمقراطيا، وخطوة في طريق الدمقرطة الشاملة، لكن لا أحد اعتبر الالتباس الذي لف عملية تعيين الوزير الأول ‘الفاسي’ انتكاسة للمنهجية الديمقراطية الحقيقية، وهذا الالتباس مرده انعدام الضمانات الدستورية لاحترام هذه المنهجية، وعدم اعتبار هكذا وضع بأنه لاديمقراطي مرده إلى ما يعتبر احتراما لقواعد اللعبة السياسية التي تعني ضمنيا التواضع والاتفاق على حق الملك المكفول دستوريا في أن يعين وزيرا أول لا يشترط فيه الانتماء إلى حزب الأغلبية البرلمانية، على غرار ما كان مع ‘جطو’.

ووضعية الالتباس هذه هي ما دفعت سياسيا مخزنيا مثل ‘الهمة’ إلى القول بالحاجة إلى تغيير الدستور الحالي المتجاوز حسب تعبيره، وهذا في حد ذاته لا يعدو أن يكون محض تأويل ينضاف إلى التأويلات الأخرى التي تنطوي عليها اقتراحات بعض قوى اليسار بضرورة التعاقد مع النظام على دستور جديد، يوسع من صلاحيات الوزير الأول، بدل صفة الموظف الحكومي الذي هو عليه اليوم، ويقر ديمقراطية برلمانية حقيقية على غرار ما يقع عند جيران الشمال، ديمقراطية تمكن البرلمان من مراقبة فعلية للأداء الحكومي بدل الهيمنة التي يجسدها فريق البرلماني الأول والأكبر في الحياة البرلمانية المغربية بدون مرجعية حزبية، كما تؤسس للامركزية حقيقية تتخذ من مفهوم الجهة كوحدة ترابية وتنموية مستقلة الإمكانات، أسلوبا للحكامة الجيدة القائمة على الإشراك والقرب من المواطنين، بدل سياسة الولاة التابعين مركزيا لوزارة الداخلية، والتنمية المقتصرة على تبليط الأحياء وتصريف الواد الحار على إيقاع الزغاريد ونقر الدفوف..

لكن هذا يبقى في حد ذاته مجرد تأويل عند من يعتقد بالخصوصية السياسية ‘للديمقراطية المغربية’، والمستندة – في اعتقادهم – إلى سيادة دينية وتاريخية لا تسمح باستنساخ نماذج الديمقراطيات العريقة، وهذا التأويل الأخير يسمح باستنساخ لا متناه للخطوط الحمراء، فان تحكمنا الخطوط الحمراء المتعارف عليها، فهذا مما يمكن أن يضمن إلى حد ما سلامة نظامنا السياسي من مهازل أحزابنا السياسية المتكالبة على كراسي الوزارات والدواوين، ويصون حالة الاستثناء التي بات يشكلها المغرب من ناحية الاستقرار السياسي، لكن أن تؤطر تأويلات الخطوط الحمر أحكام قضاتنا وقرارات حكومتنا، فهذا مما يهددنا بالرجوع لنقطة الصفر الرهيبة، سواء حقوقيا أو سياسيا وحتى اجتماعيا.. إننا نحمي الديمقراطية بالديمقراطية، تماما كما نحمي حقوق الإنسان بحقوق الإنسان، ونحمي القانون بالقانون، وهذه هي الروح التي ينبغي أن تشكل قاعدة لتوافق الجميع، لأن هذا هو أساس ما يعرف بدولة الحق والقانون، أما حماية الحقوق الفئوية بانتهاك الحقوق الشعبية، وحماية القانون بانتهاك القانون، والممارسات القمعية المستندة لتأويلات غير بديهية للخطوط الحمراء، فهذا هو العنوان الأبرز لسنوات الرصاص المشؤومة..

هكذا تنفرط إحدى عشرة سنة من عمر نظامنا السياسي الجديد، فما حقق على جميع المستويات ضخم ولا ينكره إلا تجار اليأس المنتفعون بيأس الغوغاء والجياع، لكن ما ينتظرنا أكبر من ان نحققه بالوتيرة الحالية، خصوصا أمام التفاوت المسجل اليوم على نحو واضح إن لم نقل على نحو صارخ بين وتيرة الإصلاحات التي يدشنها الملك كل حين، والوتيرة التي تستجيب بها طبقتنا السياسية ذات النفس السياسي الموسمي..، وأملنا أكبر في الآتي أن تتلو كل هذه الأوراش الكبرى المفتوحة اقتصاديا واجتماعيا وتربويا؛ أن تتلوها خطوات شجاعة في اتجاه تعزيز ديمقراطية نظامنا السياسي بعيدا عن كل أشكال الانتهاك التي يخلفها هواة التأويل ومحترفوه من القضاة والساسة، فحيث يعم الالتباس تنتعش تجارة هؤلاء ويبدأون رقصهم المجنون على أعتاب المقدسات.. مقدساتنا جميعا.

‘ باحث من المغرب

الكلمات المفتاحية: المصطفى مرادا