أخبار شركات

الغرق.. حكاية لا تنتهي وسط غياب حلول وبدائل آمنة للسباحة

عين نيوز- رصد/

ارقام مرعبه، تلك التي تكشفها احصاءات رسمية لعدد حالات الوفيات الناجمة عن الغرق في منطقة الاغوار الشمالية ضمن سدي وادي العرب وشرحبيل بن حسنة وقناة الملك عبد الله والبرك الزراعية.

الاحصاءات تشير الى وفاة 112 مواطنا ومواطنة خلال العشر سنوات الاخيرة غالبيتهم من الشباب اليافعين او الاطفال في تلك المنشات المائية، وفقا لما كشفه الى « الرأي « متصرف لواء الاغوار الشمالية عدنان العتوم، ناهيك عن اعداد المتوفين غرقا في مناطق وادي الاردن الاخرى في الاغوار الوسطى والجنوبية التي تتشابه بمنشاتها المائية لاغراض الري وتشهد ذات حوادث الغرق المتكررة سنويا.

ويوضح العتوم، ان سد وادي العرب شهد خلال الثلاث سنوات الاخيرة 14 حالة وفاة غرقا، فيما شهد سد شرحبيل (زقلاب) 3 حالات في ذات الفترة، فيما غالبية الوفيات كانت لاطفال وشبان قضا جلهم غرقا في قناة الملك عبد الله وبرك المياه الزراعية.

ومع قدوم فصل الصيف وحتى قبل شمس ايار وحرارة حزيران ولهيب تموز واب من كل عام، يعود الحبر الاسود ليدون اخبار ازهاق ارواح اطفال بريئة في الاغوار تقضي غرقا في قناة الغور وسدوده وبركه الزراعية، لتبدأ (فتحة عداد التسجيل) بالدوران، مثلما بقي يدور طيلة سنوات مضت ويسجل اعدادا لعشرات الغرقى، مخلفا احزانا واوجاعا في قلوب من اكتووا لفراق ابنهم او اخيهم او صديقهم العزيز، وليبقى السؤال ذاته يتردد، الى متى؟

المفارقة المنغصة، تشير الى ان الاردن ياتي من بين اول ثلاث دول في العالم الافقر مائيا، ولكنه في ذات الوقت يكاد يتجاوز باعداد المتوفين غرقا بلدان معروفة بكثافة انتشار مسطحاتها المائية وشطاّنها ومسابحها !.

طرق باب قضية الغرق في الأغوار ليس جديدا، ولكنه يستجد في ظل حكايات مأساوية متكررة، قطف مكلوموها فراق اعزائهم من ضحاياه، مخلفا ذكريات مؤلمة لازهاق ارواح اطفال وفتية وشباب قضت وما زالت تقضي غرقا، تزامنا مع دوران (عداد الغرق) ذاته، والذي سيبقى يعد المزيد من الاحزان مع بقاء ذات المسببات التي لم يطرق لها باب المعالجة الفاعلة والجذرية.

أسباب معروفة على المستويين الاهلي والرسمي لتفاقم مشكلة الغرق، فمن مناخ غوري حار ومياه ري جارية وأخرى راكدة إلى انعدام البديل لممارسة السباحة الآمنة مع الافتقار لمرافق نموذجية للسباحة.

ويبدو التجاهل واضحا تجاه مبادرات فاعلة لدرء خطر الغرق عن أطفال الأغوار وزوارها، الذين فارق الحياة المئات من اقرانهم خلال السنوات الطويلة الماضية في قناة الغور التي لم تثن اشياكها أطفال عن إطفاء لهيب أجسادهم تحت أشعة شمس الأغوار الحارقة في مياهها، وفي سدود تكاد تنعدم فيها وسائل الأمان والمراقبة الكافية والدائمة، وفي برك ري زراعية تفتقر لشروط الأمان المفترضة.

ويعود المتصرف العتوم الى القول، « ان المطلوب من سلطة وادي الاردن تكثيف مراقبتها لمنشاتها المائية خاصة السدود التي تنعدم فيها المراقبة من كوادر السلطة، في الوقت الذي عملت فيه الجهات المعنية على فتح مفرزات غوص للانقاذ تابعة للدفاع المدني في مختلف السدود تباشر اعمالها منذ الصباح وحتى الثامنة والنصف مساء «.

ويشير، « ان تعاقد سلطة وادي الاردن مع شركة امن وحماية لمراقبة قناة الملك عبد الله قبل سنوات لم يجد نفعا بالنظر الى اعداد الغرقى سنويا «، لافتا الى « ان هدف ذلك التعاقد هو حماية القناة واشياك حمايتها من العبث الذي تتعرض له بين الحين والاخر».

ويلفت العتوم، الى قيام السلطة مؤخرا باغلاق الطرق الترابية الفرعية المؤدية الى سد وادي العرب لمنع مركبات المتنزهين من الاقتراب من مياهه، الا ان هذا الاجراء يبقى غير كافي في ظل انعدام المراقبة من كوادر للسلطة يفترض وجودهم».

ويشدد العتوم، « ان من الواجب والمسؤولية ايجاد حلول جذرية للتخفيف من حالات الغرق اقلها امكانية ايجاد مرافق ومتنزهات في مناطق الاغوار تتضمن برك سباحة تغني عن الاقدام على المخاطرة بالسباحة في منشاّت الري المحظورة «.

لكن مدير إدارة السدود في سلطة وادي الأردن المهندس فؤاد عجيلات يضيف، ان «جميع مناطق المسطحات المائية ومنها سد وادي العرب تمَّ تشييكها من قبل السلطة باستثناء منطقة السد الشرقية بالنظر الى وعورتها «.

ويشير الى ان ابرز العوائق يتمثل في اعتداءات العابثين على سياج قناة الملك عبد الله واشياك السدود واللوحات التحذيرية الامر الذي يدفع بالسلطة الى اجراء صيانة شبه سنوية لتلك المرافق الضرورية للتخفيف من حوادث الغرق.

ويلفت عجيلات، الى ان توعية المواطنين بخطورة تلك المنشات على اسرهم واطفالهم هو الحلقة الاهم في معالجة مشكلة الغرق، مشيرا الى انجاز خطة سيتم تطبيقها الصيف الحالي بالتعاون مع مديرية الامن العام والحكام الاداريين والمدارس تختص بتوعية الاهالي والاطفال بمخاطر الاقتراب من منشات الري او العبث بمرافقها.

ويعتبر عجيلات، ان مسالة احداث مسابح نموذجية للاطفال في مناطق الاغوار تصطدم بالمقدرات المالية التي تحول دون القدرة على تكلفتها.

وتدفع سلطة وادي الاردن سنويا الاف الدنانير كتعويضات لذوي الضحايا بناء على احكام قضائية يرفعها ذوو المتوفين غرقا في منشاتها التي تعتبر السلطة مسؤولة عن حمايتها ومراقبتها وفقا لقانونها.

عود على بدء، فما بين صعوبة زفرات أرواح أطفال تحت الماء وما ينتاب أرباب الأسر الغورية من قلق جراء الغرق، تبقى وعود وتصريحات ومبادرات (أولي الأمر) سهلة، ما دامت مشاهد أمهات يعتصرن ألما على فراق فلذات أكبادهن ظلت طوال السنوات الطويلة الماضية مألوفة بحيث يبدو أنها باتت اعتيادية لجهات مسؤولة بقيت تلقي اللوم على من مات نتيجة لجوئه للسباحة في الأماكن الممنوعة وعلى ذويهم الذين لم يمارسوا عليهم التوعية.

لكن سؤالا يطرح نفسه بقوة، هل كان هناك بديل لأطفال الغور ومناخه الحار غير إطفاء لهيب أجسادهم في تلك الأماكن؟

يبقى، ان من الواجب والمسؤولية الاعتراف بعدم جدوى مراقبة تجمعات المياه في الاغوار والبحث عن حلول اقلها واجبا احداث مسابح نموذجية تغني طفل الغور عن مخاطر غرقه وازهاق روحه، والاستغناء عن تصريحات لا تسمن ولا تغني عن غرق، واحيانا تكون مبعثا لاستفزاز المشاعر، كمثل ما صرح به احد مسؤولي سلطة وادي الاردن في احدى السنوات حيال احزان اب مكلوم على وفاة ابنه غرقا حين قال ‹›ان السلطة تدفع التعويض المناسب لذوي الضحايا ‹› !.

الكلمات المفتاحية: لغرق.. حكاية لا تنتهي وسط غياب حلول وبدائل آمنة للسباحة