فن وثقافة

“العودة إلى السّنوات الخطرة” .. قراءة في كتاب البيطار حول المسألة الفلسطينية.

يوسف عبد العزيز:

أكثر من مائة عام مرت على الصراع المحتدم في المنطقة العربية وبؤرته اللاهبة فلسطين، بل إن المشكلة كانت قائمة منذ أمد بعيد، وتحديداً منذ أيام نابليون بونابرت الذي التقى بأقطاب اليهود في مجمع السندهرين اليهودي في باريس عام 1798، وخطب فيهم قائلاً: إنني ذاهب إلى الشرق لأقيم مملكة إسرائيل. لاعبون كثيرون دخلوا ساحة الصراع: الأتراك، الإنجليز، الصهيونية العالمية، دول أوروبا عموماً، الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد السوفياتي، الشعب الفلسطيني، والدول العربية. من هؤلاء اللاعبين من خرج مثل تركيا، ومنهم من زادت وتيرة لعبه كالولايات المتحدة الأمريكية.

خمس حروب أو تزيد شنتها على العرب دولة (إسرائيل) التي تمثل قاعدة انطلاق للغرب عموماً والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، هذا بالإضافة إلى استمرار (إسرائيل) في التوسع والاستيطان وبناء ترسانة عسكرية ونووية هي الأضخم في المنطقة. يقابل كل ذلك على الجانب العربي ضمور وتراجع ليس بالتصدي للعدوان فحسب، ولكن بتراجع مشروع الدولية القطرية العربية وتشرذمها.

ما الذي حدث بالضبط؟ ولماذا كل هذا الإحباط واليأس؟ ثم ماذا نحن فاعلون؟ هذه الأسئلة وغيرها يطلقها الباحث خالد عبد الرؤوف البيطار من خلال كتابه الموسوم بعنوان (المسألة الفلسطينية والقضية اليهودية – تاريخ ما أهمله التاريخ) الذي صدر في عمّان مؤخّراً حيث يغوص عميقاً في التاريخ الفلسطيني الحديث ويستكنه أبعاده، خاصة بما يتصل بتلك السنوات الخطرة ما بين عامي 1917 – 1947. فهذان العامان كانا بمثابة مفصلين من أدق مفاصل التاريخ في المنطقة، ففي العام الأول شهدت المنطقة وعد بلفور المشؤوم، الذي أرسى القاعدة النظرية لدولة إسرائيل، أما العام 1947 فهو العام الذي جرى فيه الاعتراف بالدولة الصهيونية من قبل (المجتمع الدولي). في هذه الأثناء كان المشروع الصهيوني يتسارع بوتيرة عالية على أرض فلسطين، مدعوماً بجهود الإمبراطورية البريطانية التي ارتبطت مصالحها الحيوية مع مصلحة اليهود. لقد اعتنت دولة الاحتلال البريطاني بموجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين وأطلقت لها العنان، كما قامت بتسليح العصابات الصهيونية، في الوقت نفسه فقد حكمت بريطانيا عرب فلسطين بالنار والحديد، وعملت على تجريدهم من السلاح، أما ما يتصل بزعامات البلاد فقد عملت على  ضرب الواحد بالآخر. لا عجب إن رأينا ضجيج الخلافات الدائرة بين تلك الزعامات يطغى على الثورة الحقيقية التي تسعى إلى تحرير الوطن. من ناحية ثانية فقد أغرقت بريطانيا فلسطين بلجان التحقيق وكتبها السوداء والبيضاء، كل ذلك من أجل كسب عامل الوقت لصالح الصهيونية، حتى إذا ما حانت ساعة الصفر بانسحاب الجيش البريطاني في 15 أيار عام 1948، رأينا العصابات الصهيونية تنقض على الشعب الفلسطيني لتسبب له أكبر مأساة عاشها الإنسان في العصر الحديث.

في ظل هيمنة إسرائيل على المنطقة العربية، وفي ظل استمرار حالة التردي على مستوى القضية الفلسطينية، يجيء كتاب الباحث خالد عبد الرؤوف البيطار ليفتح لنا نافذة جديدة للتأمل والمراجعة. إن فحص الماضي والتدقيق في الأخطاء المرتكبة فيه يساعد على إضاءة الطريق باتجاه المستقبل، غير أننا من خلال الفحص الموضوعي لما تلا عام 1948 نرى أن الأمر لم يختلف كثيراً عما كان عليه في السابق، فالأخطاء هي هي، والزعامات هي هي، وآليات التفكير لم تتغير.

يذهب الباحث خالد عبد الرؤوف البيطار يحدوه الأمل بالأمة العربية العظيمة وإمكاناتها الهائلة إلى البحث عن بقعة صغيرة للأمان في هذا البحر المتلاطم من الحروب والوقائع والأحداث. لا يطمع الباحث من وراء ذلك إلى تحقيق المعجزة، وإنما لتحقيق الحد الأدنى الممكن، ففي مجال الوحدة العربية، يدعو الباحث إلى تشكيل دول مؤتلفة هنا وهناك، وذلك كخطوة أولى نحو تحقيق الوحدة العربية الشاملة، التي لن يتم دونها تحقيق أي تقدم ملموس على صعيد القضية الفلسطينية. المسألة الأخرى التي ينبه الباحث إليها هي مسألة التقريب بين التحديث والتغريب، فعلى الرغم من أننا لاقينا الأمرّين من الغرب الأوروبي والأمريكي، إلا أن هذا ينبغي ألا يمنعنا من أن نستوعب في حياتنا ما نراه مناسباً من الحضارة الغربية ومن أدوات الثورة العلمية والتقنية المعاصرة. هنا يضرب الباحث اليابان كنموذج للدولة التي زاوجت ما بين الحداثة الغربية والإرث الحضاري الياباني القديم. لن نتعجب إن رأينا بناء المصنع أو ناطحة السحاب في اليابان، أو القطار الكهربائي الحديث تسير جنباً إلى جنب مع روح الأسطورة أو الخرافة الشعبية.

ينبغي الإشارة إلى وثيقة مهمة كشف عنها الباحث في كتابه، والتي هي بعنوان (الأخدوعة الصهيونية) للباحث الأمريكي والتر.ت. ستايس وهي الوثيقة التي كان قد نشرها هذا الأستاذ لمادة الفلسفة في جامعة برينستون في مجلة أتلانتيك الشهرية عام 1947. لقد انتصر هذا المفكر الأمريكي في تلك الحقبة الخطيرة من عمر الصراع للحق الفلسطيني مقابل العدوان اليهودي والأضاليل البريطانية، فقد فنّد وعد بلفور، كما فنّد ما يسمى بالحق اليهودي في فلسطين، كما فنّد الاستيلاء على فلسطين من أجل تمدينها، هذا بالإضافة إلى إدانته للعدوان الواقع على الشعب الفلسطيني من قبل العصابات الصهيونية ودولة الاحتلال البريطانية، وقد استند في ذلك إلى سياسة الرئيس الأمريكي ولسون القائلة بأن للأمم الحق في تقرير مصيرها من دون إكراه أو عدوان من غيرها من الأمم.

يوجه الباحث خالد عبد الرؤوف البيطار نقده بشدة إلى العقلية العربية التي ما زالت تحتكم إلى العاطفة في معالجة الواقع، ويضرب مثلاً على ذلك عدم استفادة العرب من مرحلة حزب العمال البريطاني الذي فاز بالحكم بأغلبية ساحقة بمجرّد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، ونَهَجَ سياسة مختلفة عن حزب المحافظين، حيث حدث في زمنهم استقلال الهند مثلاً. وفي هذا المجال يدعو الباحث إلى محاكمة الأمور بعقلية مستنيرة تمزج بين الخاص الفلسطيني والعربي بالعامّ الدّولي.