فن وثقافة

الشرق والغرب بين العمامة والطربوش

عين نيوز – رصد/

لعل أحدث ظهور للعلامة والباحث المصري الكبير أحمد أمين تمثل في إعادة طبع كتاب قديم له عنوانه «الشرق والغرب» ظهر لأول مرة في القاهرة في منتصف القرن الماضي. الكتاب القديم الجديد يصدر هذه المرة في الكويت كهدية من جريدة القبس إلى مشتركيها، وفي طبعة سابقة اشير إلى المؤلف بلقب {الدكتور} أحمد أمين. وأحمد أمين لم يكن يوماً دكتوراً!

فأعلى الشهادات التي حصل عليها هي شهادة القضاء الشرعي التي نالها سنة 1911، أي قبل مائة سنة من اليوم.

يبدو ان الذي وضع هذا اللقب الى جوار اسمه ظنّ، استناداً الى شهرته، أنه لا بد ان يكون دكتوراً، إذ كيف يوهب له هذا الحظ من انتشار الاسم والأثر ويكون مجرداً من شهادة الدكتوراه؟

علينا ألا نستبعد أن يكون من وضع اللقب، اعتبر ان «الدكتور» لم تعد وقفا على الذين حازوا عليها بالفعل، وإنما باتت مجرد كلمة تطلق على كل مثقف أو متعلم، فكيف، والحالة هذه، تُحجب عن صاحب موسوعة أحمد أمين الإسلامية «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام» و«ظهور الإسلام» و«يوم الإسلام» وسواها من الكتب الجليلة التي انتفع بها الناشئة والمثقفون العرب جيلاً إثر جيل.. انه إذاً لجحود ما بعده جحود ان نضن على مثل هذا الرجل بلقب ناله الأدنون منه بكثير.

ولكن الواقع الصلف يفيدنا بأن أحمد أمين رغم وصوله الى عمادة كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول التي أصبح اسمها لاحقاً جامعة القاهرة، لم يحصل في حياته إلا على شهادة القضاء الشرعي التي أشرنا إليها.

وكما عمل في بداية حياته في التدريس في مدرسة القضاء الشرعي، عمل بعد ذلك قاضياً في المحاكم الشرعية قبل ان يقترح عليه الدكتور طه حسين ان ينتقل الى كلية الآداب. عندها انتقل أحمد أمين من «العمامة والجبة» الى «الطربوش والبدلة»، وهو ما فعله زملاء له من قبله مثل طه حسين وزكي مبارك وأحمد حسن الزيات. فقد كانوا جميعاً «معّممين» ثم أصبحوا «مطربشين»، أي من لابسي الطربوش الذي كان سائداً يومها.

الموسوعة الإسلامية

على أن أهم ما أنجزه أحمد أمين في اطار عمله الثقافي هو هذه الموسوعة الإسلامية: «فجر الإسلام» واخواتها. في هذه الموسوعة اهتم أحمد أمين بدراسة الجانب العقلي والفكري في الحضارة العربية الإسلامية، وهو جانب لم يلتفت إليه الكثيرون من المفكرين قبله.

فقد كان التاريخ يقوم على تسجيل الأحداث السياسية ويهتم بالحكام والخلفاء والملوك وما حدث لهم. أما تاريخ العقل والتفكير والأسئلة الذهنية التي كانت تشغل الناس في كل عصر، وتؤثر في حياتهم أشد التأثير، فقد كانت دائماً على الهامش، أو في الخلفية العامة للأحداث السياسية أو لتاريخ الحكام والسلاطين.

وقد جاء أحمد أمين في موسوعته الإسلامية هذه ليؤرخ للعقل العربي في مسيرته الطويلة من الرضا والقناعة الى البحث والتنقيب والتساؤل ومحاولة فهم المجهول الذي يحيط بالحياة والإنسان.

وقد تميزت هذه الموسوعة بالسهولة واليسر وغزارة المعلومات ودقة تنظيمها وحسن عرضها، كما تميزت بحرص مؤلفها على ان يوجه أنظار المجتمع الحديث إلى أسباب التخلف والتأخر كلما كانت هناك فرصة لإبراز ذلك وشرحه وتحليله، ولذلك جاءت موسوعة أحمد أمين الإسلامية مرجعاً ثميناً حتى للباحثين الغربيين الذين يدرسون الفكر العربي ويتابعون تطوره في مراحله المختلفة.

خارج الاجماع

ويكاد إجماع المثقفين المصريين والعرب ينعقد على الإشادة بفضل أحمد أمين العلمي والفكري هذا، ما عدا اثنين أولهما الدكتور طه حسين والدكتور عبدالرحمن بدوي. فبعد ان نقله طه حسين الى كلية الآداب وتسلّم بعد ذلك عمادتها، سرعان ما نشأت الخلافات بينهما حتى وصلت الى درجة القطيعة بينهما. ويبدو ان طه حسين اعتقد انه بعد كل ما فعله من أجله، لا بد أن يكون طيّعاً له في عمله في كلية الآداب.

صورة سلبية

ولكن أحمد أمين تمسك بمواقف كثيرة له كان لطه حسين رأي آخر فيها. ويجد الباحث في تاريخ الأدب والثقافة في مصر كثيراً من التفاصيل حول هذه الخلافات بين القطبين الأدبيين الكبيرين.

ولكن الدكتور عبدالرحمن بدوي في الجزء الأول من كتابه «سيرة حياتي» الذي يعرّي فيه الكثير من الشخصيات الأدبية والفكرية التي عاصرها، يرسم لأحمد أمين صورة مقنعة شديدة السلبية تختلف عما هو شائع عن أحمد أمين صاحب الموسوعة الإسلامية الكبرى التي كانت في الواقع أول مشروع لدراسة الفكر العربي القديم، قبل مشاريع محمد عابد الجابري وحسن حنفي والطيب تيزيني وحسين مروة وسواهم.

فبدوي يقول عن أحمد أمين في كتابه هذا انه كان رجلا حقوداً ضيق الأفق تأكل قلبه الغيرة من كل متفوق ومن كل متقن للغات الأجنبية لأنه كان لا يعرف لغة أجنبية فيما عدا قشوراً تافهة من أوليات اللغة الإنكليزية، وكان يسعى للتعويض عن عجزه هذا بانتحال أعمال الآخرين، خصوصا الناشئة المتطلعين الى الشهرة بالتسلق على جذوع الشخصيات ذات الشهرة أو النفوذ.

«وقد حاول ان يصنع معي هذا الصنيع، لما ان قدمت الى لجنة التأليف والترجمة والنشر – وكان رئيسها – أصول كتابي «التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية» في أواخر سنة 1939. فلم تُفلح محاولته هذه وصددته منذ اللحظة الأولى، إذ قلت له في نفسي: وما شأن هذا الرجل بكتاب مؤلف من دراسات بالألمانية والإيطالية، وفي موضوعبعيد عنه؟ وكيف يمكن أن أبرر وجود اسمه إلى جانب اسمي على كتابي هذا؟ إنها منه صفاقة ما بعدها صفاقة. ونشرت الكتاب عند ناشري الأول (مكتبة النهضة المصرية)، ولما صدر قدمت إليه نسخة، ولسان حالي يقول له: على الرغم منك صدر الكتاب! وهذه واقعة سأصادف عدد من أمثالها طوال حياتي في الإنتاج والنشر.

تمسك بالشكليات

وينعته بدوي في فقرات أخرى بالسخيف التفكير والتافه الإدراك، وبالنقاط الشكلية، وبالحاقد حقدا دفينا لا شفاء منه. ويورد واقعة تمسك أحمد أمين بالشكليات فيها، إذ منع بدوي (الذي كان يعد رسالة ماجستير في الفلسفة من تسجيل موضوع رسالته في الموعد القانوني، وهو عام قبل المناقشة، مع أنه مضى على حصوله على الليسانس عامان، وهو الشرط الأساسي في مناقشة رسالة الماجستير!

ومع ان طه حسين كان عضوا في مجلس إدارة الكلية، ودافع عن حق بدوي في تقديم رسالته، وفي عدم الوقوف عند الشرط الشكلي.

إلا أن أحمد أمين تمسك برأيه في المنع، وعند التصويت انقسم مجلس الإدارة قسمين: ثلاثة ضمن ثلاثة، ولكن مادام من المقرر أنه عند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي فيه رئيس الجلسة، وهو أحمد أمين، فقد رجح قرار عدم الموافقة على إعادة النظر في الموضوع.

خرج طه حسين مغضبا ساخطا على هاذ التصرف من أحمد أمين، وقال لبدوي باسما ساخرا: هذا جزاؤك لأنك ألفت كتبا ونشرتها… ألا فلتعلم ان كل كتاب تصدره هو بمنزلة خنجر في قلوب الحاسدين والحاقدين».

طبعا هناك صور أخرى مختلفة لأحمد أمين، نعثر على كثير منها في ما كتبه حسين أحمد أمين عن والده أحمد أمين. ولكن كل ذلك لا يحجب – مهما كان سلبيا – الصورة المشرقة للعلامة والباحث الكبير أحمد أمين الذي لا يقل مقامه في عالم الدراسات والأبحاث في تراثنا، عن مقام أقرانه العلماء الكبار في هذا العصر.

 

الكلمات المفتاحية: اعادة الطبع- الشهرة- العلامة احمد امين- الموسوعة الاسلامية- شهادة القضاء الشرعي- عميد كلية الآداب