آراء ومقالات

الربيع العربي على أبواب العام الجديد

رغيد الصلح

رغم التأييد الواسع الذي تثيره الانتفاضات العربية، فإن البعض ينظر إلى مستقبل هذه الانتفاضات بقلق، والمصدر الأساسي لهذا القلق هو الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتراجعة التي تهيمن على الدول التي مرت بهذه التجارب والتغيّرات . وتنصبّ التقارير المتشائمة بصورة خاصة على المهدين الأول والأكبر لهذه الانتفاضات، أي تونس ومصر .

 

ويقول تقرير عن المصاعب الاقتصادية التي تعانيها مصر ما بعد الانتفاضة (هيرالد تريبيون الدولية 24-11-2011) إن الاحتياطي المصري من العملة الأجنبية تدهور من 36 مليار دولار في بداية العام الحالي، إلى 22 مليار دولار خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول المنصرم، وإنه من المتوقع أن يستمر هذا الانحدار خلال الأشهر المقبلة . ويربط التقرير بين هذا الانحدار، من جهة، وتراجع الإقبال السياحي على مصر وهروب الرساميل منها، من جهة أخرى . مع استمرار هذا التدهور، يتوقع البعض انخفاض قيمة العملة المصرية، وهو ما يؤثر في الطاقة الشرائية للمواطنين وفي سياسة الدعم التي تقدمها الحكومة المصرية لتخفيف الضغط على المستهلكين .

 

وتشكو تونس تقريباً من الأعراض نفسها التي يشكو منها الاقتصاد المصري، فقطاع السياحة التونسية الذي كان يدر على البلاد نسبة عالية من مدخولها، يواجه تراجعاً ملحوظاً، كما يرصد المراقبون هجرة واسعة للرساميل من تونس إلى دول أكثر استقراراً، في المستقبل القريب على الأقل . لهذه الأسباب ولغيرها من العوامل والمتغيرات الناجمة عن “ثورة الياسمين”، فقد انحدر مجمل الناتج المحلي من معدل 3% خلال العام 2010 إلى 2 .0 % خلال هذا العام . وارتفعت البطالة التي كانت المحرك الأول للثورة من 13% خلال العام الفائت إلى 5 .14% هذا العام .

 

في مقابل هذه التراجعات تقف ثورة التوقعات التي تتفاعل في الشارعين المصري والتونسي، بل في المجتمعات العربية التي شهدت ولاتزال تشهد تحولات سياسية كبرى . إن المواطنات والمواطنين الذين قدموا تضحيات كبرى يتوقعون أن يكافأوا على هذه التضحيات، بينما سوف يطلب منهم الحكام الجدد تقديم المزيد من التضحيات، بالصبر على معدلات البطالة والفقر المتفاقمة، والاصطبار زمناً قبل تحقيق المنجزات المتوقعة . بين هذين المسارين، قد تفلت الأوضاع الأمنية من يد النخب الجديدة فيضيع الاستقرار وينتقل المواطنون من المطالبة بالحرية والعدالة إلى المطالبة ب”الأمن بأي ثمن” . هذه المطالبة قد تتطور إلى حد فتح الباب أمام “بونابرتية عربية” وحكام “أقوياء” يعيدون الهدوء والاستقرار إلى المجتمعات المعنية لكي تبدأ الحلقة المفرغة من جديد .

 

هل يمكن تفادي هذا السيناريو المتشائم؟ هل من المستطاع تجنيب المجتمعات العربية تجرع مرارة التنقل بين حالات القمع والكبت السياسي والفوضى والانهيارات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ نعم هذا ممكن عن طريق الإصلاح الشامل الذي يمر بالعلاقات العربية العربية، ويتطرق إلى المجالات السياسية والاقتصادية . إنه يتطلب توسيع مفهوم “حماية المدنيين العرب” بحيث لا يشتمل على حماية حق هؤلاء في الحياة وفي التعبير عن النفس فحسب، وهذا أمر لا يناقش لأنه من حقوق الإنسان الكبرى والأولية، ولكنه يشمل أيضاً حماية المدنيين العرب من البطالة والفقر والجوع .

 

إن مؤسسات العمل العربي المشترك (جامعة الدول العربية، المؤتمرات الوزارية العربية، المجالس المختصة . . . إلخ) تعمل باندفاع ملحوظ ومطلوب في سوريا على تطبيق المعنى الأمني والسياسي ل”حماية المدنيين العرب”، ويؤمل ألا تتوقف هذه المؤسسات عن متابعة عملها حتى تعيد إلى السوريين والسوريات حقوقاً سياسية مشروعة حرموا منها لزمن طويل . ولكن بالمقارنة مع هذه الاندفاعة المطلوبة، فإن مؤسسات العمل العربي المشترك تغفل ضرورة الاهتمام بالمضمون الاجتماعي والاقتصادي “لحماية المدنيين العرب” . إن الاهتمام بهذا المضمون هو أمر مُلحّ وعاجل أيضاً، خاصة في ضوء المتغيرات التي أشرنا إليها أعلاه، وهو يمسّ سائر أنحاء المنطقة العربية وليس بلداً واحداً منها فحسب .

 

وحيث إن لهذا الموضوع أهمية عاجلة وكبرى، فإنه يستحق أن تتقدم الأمانة العامة لجامعة الدول العربية باقتراح عقد مؤتمر استثنائي للقمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية، للنظر في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية في أعقاب أحداث الربيع العربي . وتسهيلاً للأمر على القادة العرب، فإنه من المستطاع عقد هذه القمة خلال شهر مارس/ آذار المقبل أي بعد انعقاد مؤتمر القمة العربي العادي .

 

ما يزيد من الحاجة إلى مثل هذه القمة هو أن القمتين السابقتين الأولى (العام 2009) والثانية (2011) لم تحققا التقدم المطلوب على صعيد التنمية الاقتصادية . لقد ساوت القمتان بين الأهم والمهم من زاوية تنمية التعاون الإقليمي العربي . فعلى هذا الصعيد تحتل مسألة تطوير منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (غافتا) الأولوية بين سائر المشروعات والقضايا التي تم التطرق إليها في القمتين السابقتين . ولكن هذا الأمر ضاع بين العديد من الموضوعات التي أدرجت على جدول أعمالهما، ولم يتم البحث بعمق وبالإصرار الكافي في كيفية التغلب على العوائق غير الجمركية التي حالت دون انطلاق المنطقة بعد ما يقارب الخمسة عشر عاماً من إقرارها .

 

إن قيام الاتحاد الجمركي العربي هو الطريق الأفضل لإنهاض الاقتصاد العربي ولتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة . وتحويل المنطقة إلى اتحاد يحتاج إلى قرار حاسم يصدر من أعلى المستويات من قبل القادة العرب وإلى متابعة دقيقة وشخصية يقومون بها في كل قمة عربية، هذا فضلاً عن متابعة دؤوبة من قبل الأمانة العامة للجامعة العربية . إن الاهتمام المباشر ب(غافتا) لا يعد انتقاصاً من شأن الحكومات العربية ولا إضاعة لوقتها الثمين والغالي في تفاصيل العلاقات بين دول المنطقة، ولا هدراً لمجهوداتها في أمور يمكن تركها للموظفين الكبار في الإدارات العربية . فلو قارنا بين ما تنفقه الحكومات العربية في متابعة قضايا (غافتا) وبين ما ينفقه الزعماء الأوروبيون في متابعة تطورات منطقة اليورو، أو ما يخصصه الزعماء الآسيويون لمتابعة تفاصيل العلاقات الاقتصادية بين بلادهم، لوجدنا أن الحكومات العربية تهمل (غافتا) إهمالاً شديداً، وأن هذا الإهمال يفسر تعثّر محاولات تحقيق التكامل الاقتصادي العربي .

 

إن تقريب موعد القمة الاقتصادية العربية والتركيز فيه على مسألة تحويل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى إلى اتحاد جمركي ليس ترفاً سياسياً، ولا هو مناسبة فوتوغرافية . إنه ضرورة ملحة لتحقيق التطور الآمن في المنطقة، ولحماية شعوبها من الجمود والتخلّف ومن المغامرات معاً . إن تنشيط التجارة البينية العربية من شأنه أن يُشيع الرخاء في دولها من دون استثناء وأن يحرك دومينو الاستقرار والتقدم لكي يتنقل على وقع حاجات المنطقة وتطلعات شعوبها المشروعة .

 

* نقلا عن “الخليج” الإماراتية

الكلمات المفتاحية: الربيع العربي على أبواب العام الجديد- رغيد الصلح