أخبار الأردن

الدكتور مروان المعشر :التعديلات الدستورية المقترحة لم تمس سلطات الملك

عين نيوز- خاص /

قدم الدكتور مروان العشر مداخلة مهمة حول الاصلاحات الدستورية في الاردن من خلال دراسة اعدها لصالح مركز كارنغي للدراسات التي يعمل فيها بوظيفة نائب الرئيس للدراسات ، حيث يشرف على الأبحاث التي تجريها المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. وتليا نص الدراسة

بقلم الدكتور مروان المعشر

تراوحت ردود الفعل على التعديلات الدستورية التي اقترحتها لجنة عيّنها الملك عبد الله الثاني ما بين حدَّين: في حين رحّب بها البعض واجداً فيها قفزةً نوعيةً إلى الأمام، رفضها البعض الآخر معتبراً إيّاها مجرّد تحسين ظاهري. لا يزال على هذه التعديلات أن تمرّ عبر الإجراءات التشريعية الضرورية قبل أن تُعتَمَد، إلا أن الطريقة الملائمة لقراءتها وتفسير أهميتها تكمن في فهم الإطار الأوسع التي تقع ضمنه. هل تشكّل هذه التعديلات خطوةً أولى في خريطة طريق أشمل نحو الفصل التام للسلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية؟ هل تعيد توزيع هذه السلطات (تقوّي السلطتين التشريعية والقضائية، وتُضعِف السلطة التنفيذية)؟ أم أنها تمثّل نهاية الطريق بالنسبة إلى عملية الإصلاح السياسي في الأردن؟ تقديم إجابة واضحة على هذه الأسئلة يساهم في الحكم على هذه الإجراءات بموضوعيةٍ أكبر وإديولوجيةٍ أقل.

مما لا شكّ فيه، يجيب العديد من التعديلات على المطالب التي لطالما رفعتها المجموعات الإصلاحية وعامة الشعب. وبعض التعديلات الأبرز يشمل ما يلي:

إنشاء محكمة دستورية مهمّتها مراقبة دستورية القوانين والتشريعات. وتحلّ هذه المحكمة مكان محكمة عليا للبتّ في هذه القوانين، كان يرؤسها رئيس مجلس الأعيان، وكانت تُعتَبَر على نطاق واسع بأنها غير مستقلّة بالكامل.

إنشاء لجنة مستقلة تشرف على الانتخابات بدلاً من وزارة الداخلية التي كانت العملية الانتخابية في عهدتها سابقاً. أما الطعون الانتخابية كافة فتُحال إلى القضاء بدلاً من البرلمان.

تعزيز الحريات المدنية، بما في ذلك تجريم كل انتهاك للحقوق والحريات العامة أو لحرمة حياة الأردنيين الخاصة؛ حظر التعذيب بأشكاله كافة؛ الإعلان أن كل أشكال التواصل ما بين المواطنين ستُعامَل بسرّية، ولن تكون خاضعةً إلى الرقابة أو التعليق أو المصادرة، إلا بأمر قضائي.

الحدّ من قدرة الحكومة على إصدار القوانين المؤقّتة في غياب البرلمان، وهو ما كانت تفعله الحكومات في السابق كما شاءت.

الحدّ من نطاق صلاحية محكمة أمن الدولة في قضايا الخيانة العظمى، والتجسّس، والإرهاب، على أن يُحال المواطنون، عوضاً عن ذلك، إلى المحاكم المدنية، بمَن فيهم الوزراء الذين سبق وحوكِموا من قبل محكمة برلمانية عليا.

الحدّ من قدرة الحكومة على حلّ البرلمان من دون أن تستقيل.

مع ذلك، لم تشمل التعديلات العديد من التدابير الأخرى. فعدا عن أنها حدّت من قدرة الملك على تأجيل الانتخابات إلى أَجَل غير مُسَمّى، لم تمسّ السلطات التي يتمتّع بها. فمثلاً، مع أنه سيكون من الصعب تغيير الممارسة على الفور من دون برلمانات تقوم على الأحزاب، لا يزال الملك يعيّن رئيس الوزراء ومجلس الأعيان ويقيلهما. كذلك، تباحثت اللجنة الدستورية في موضوع إضافة الجندر إلى لائحة فئات القوانين التي من المحظّر التمييز ضدّها، لكنها اختارت عدم إضافته لأسباب دينية وسياسية. وأخيراً، حدّت بعض التعديلات من دور الأجهزة الأمنية في الشؤون السياسية للبلاد، إلا أنها بالكاد قيّدته بالكامل.

على الرغم من ذلك، تُعَدّ التعديلات خطوة أولى هامة، ومجرّد أنها ستمرّ في الإجراءات الدستورية اللازمة في بضعة أسابيع فقط هو أمر إيجابي. فهذا يشير إلى أن الدستور سيعرف أوّل إصلاح شامل هام له منذ اعتماده في العام 1952.

لكن لا بدّ من إلحاق هذه التعديلات بعملية إصلاحية أكثر شمولاً ودستوريةً وأهميةً، عملية من شأنها أن تقدّم رؤية سياسية واقتصادية أوسع لمستقبل الأردن. ويجب أن تشمل هذه العملية إطاراً زمنياً يُحدِّد متى تُشكَّل الحكومات عبر الغالبية البرلمانية، ومتى يختار رئيسُ هذه الغالبية رئيسَ الوزراء. وهذا الأمر يتحقّق فقط عندما تُمنَح الأحزاب السياسية فرصة التنظيم والتمثيل في البرلمان. فالتعديلات المُقترَحة على القانون الانتخابي مثلاً تُدخِل تحسيناً خجولاً على القانون الحالي، لكنها لن تؤدّي إلى تشكيل برلمانات قائمة على الأحزاب السياسية في المستقبل القريب.

والتحدّي العاجل الآخر يكمن في التدابير التي يجب أن يتّخذها النظام مؤقّتاً إلى حين نضوج ساحة سياسية قائمة على الأحزاب، وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة. في هذه الأثناء، تتوسّع الثغرة القائمة ما بين النظام والشعب بسبب القضايا الملحّة: الزيادة الملحوظة في مستوى الفساد وغياب الجدّية في التعاطي معه؛ الحاجة إلى تطبيق حكم القانون تطبيقاً عادلاً ومتكافئاً؛ تدخّل الأجهزة الأمنية المتواصل في النواحي غير الأمنية للحياة السياسية في البلاد ومعاندتها جهود الإصلاح؛ الحاجة إلى آلية مختلفة لاختيار رؤساء الوزراء وحكومات تتمتّع بمصداقية أكبر، إلى حين يصبح إجراء هذا الاختيار ممكناً عبر الممثّلين المنتَخَبين. وإلى أن تبرز حكومات قابلة للمساءلة التامة، تقع مسؤولية توجيه هذه العملية بمعظمها على عاتق الملك، الذي ينبغي أن يساهم في سدّ ثغرة المصداقية القائمة اليوم.

بعد زيارتي الأردن مؤخّراً، اكتسبتُ قناعةً بأن السكان، بفئاتهم الإثنية والاجتماعية كافة، وتطلّعاتهم السياسية والاقتصادية المتنوّعة، يؤيّدون تأييداً شديداً الملك الذي يقود هذه العملية. إلا أنهم يتوقّعون أيضاً أن تتّسم العملية بجدّية أكبر، وتؤدّي إلى نتائج ملموسة، بدلاً من أن يخوضوا تجربةً أخرى حيث الوعودُ لا يتمّ الإيفاء بمعظمها. يبدو الملك مدركاً هذا التحدّي تماماً، حتى وهو يقرّ بأن عليه مواجهة القوى العديدة التي تعمل بشكل ناشط لمنع التغيير والإبقاء على الوضع القائم، وهي قوى غالباً ما تأتي من قلب النخبة السياسية والقاعدة التقليدية للنظام.

الكلمات المفتاحية: الاردندن- الاصلاحات الدستورية- مروان المعشر