آراء ومقالات

الحراك الشعبي العربي الى أين ؟

 

د. جهاد البرغوثي

الاخوات والاخوة شكرا للحضور الكريم ويسعدني ويشرفني تلبية دعوة نادي القدس الثقافي في هذه المدينة التاريخية لنتحدث معا عن الحراك الشعبي العربي الى اين – إنابة عن الامين العام لحزب الجبهة الاردنية الموحدة .

يقول احد الحكماء ان الالم يُلغي المنطق وان الاحباط يُزّكي التطرف وان اليأس يُلهب المشاعر ، ولذا آثرت اليوم ان اكتب ما سأقول لأتقيد بها بدل الخروج عنها في خطاب غير مقروء.

 

• قال تعالى في كتابه العزيز ” فلما راى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما أفـَلـَت قال ياقوم اني بريء مما تـُشركون ” . صدق الله العظيم

• عجلة التاريخ تدور وحضارات تـُبنى وتسمو واخرى تـُهدم وتتلاشى ، زعماءٌ وقادة يأتون ويذهبون ، ومُصلحون يقدمون، وآخرون يؤخرون – نيرون حرق روما حتى وجد نغمات جديدة لقيثارته على صدى صياح الشعب . هل ما حدث في ليبيا عمرالمختار ويمن الاحرار يختلف عن ذلك ؟ زوجة قائدٍ عربي قدمت هدية قـيّمة للقاتلة ليفني ! لماذا ؟ هل من اجل الاف الاطفال الذين حصدتهم المدفعية الاسرائيلية وطائرات الاف 16 ومن قضوا بالقنابل العنقودية الممنوعة دوليا التي هربها عميل لفظته المنظمة فقدمت له الذبائح في “زي” البلقاء و حضور سياسي كبير بعد ان باعها الى ليبيا القذافي. ناهيك عن حرب لبنان وتدمير جنوبه وقتل عائلاته والقتل الدائم في المحتل من ارضنا .

• الصور متشابكة ومتماوجة ولا تـُظهر حقيقة الامور .

• هل اصبحت الشعوب مجرد أ ُناس يملأون الشوارع ويسيرون على غير هدى – تحركهم قوى تعمل لمصالحها الذاتية على حساب الشعب والوطن. هل اصبحت الاوطان العربية سجونا كبيرة لشعوبها ؟.

• رأينا ذلك في مصر المحروسة بعد وفاة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر والامثلة على ذلك كثيرة وكلكم على معرفة تامة بها . هم سرقوا ارادة الشعب والتي هي اسوأ بكثير من سرقة ثرواته. جعلوا من انفسهم آلهة ليطأطئ المواطن رأسه ويركع على قدميه لتقبيل يدي القائد الاوحد او القائد الملهم او عميد القادة العرب – وما عرفوا انّ ما من احد باق الا وجه الله والاعمال الصالحة . أما التماثيل الرخامية و الفولاذية التي بناها القادة لانفسهم تـُحطم مهما طال الزمن – وما يبقى الا عمل الزعيم وانجازاته وخدماته لشعبه ولامته .

• قبل الحراك الشعبي كانت الحكومات العربية تتحدث والشعوب العربية تستمع – ومع الحراك الشعبي اليوم تتحدث الشعوب وتستمع الحكومات .

• ان المطالب المطروحة في الشارع لا تحدد آفاق المستقبل رغم ان كل المحاذير قد سقطت ، والمحذور العام اليوم هو الضمير الوطني والضمير الاخلاقي .

• لدى الحراك الشبابي الكلمة المحورية والحاكمة ذات المسؤولية عبر التواصل الاعلامي المنظم لتجسيد ارادة الشعب والصدق اتجاه الشعب مقابل العجز الكلي الذي عانت منه البلاد العربية والهزائم العديدة التي مُنيت بها . قال الشعب كفى لقد سئمنا – من اجل هذا حرق الشهيد بوعزيزي بائع الخضره نفسه سأما وقرفا .

• هل كل ما يحصل هو طبيعي ام غير طبيعي ؟ والناس هنا في حالة خوف وترقب، مُتخوفة من كل ما حصل حولها من تطورات غير متوقعه ادت الى مجموعة من التغييرات .

• ما اسباب هذه الظاهره ؟ هل هو تدخل خارجي غير مرئي مدفوعا باعلام موجه ؟ ام ان هناك عوامل تشابكت جعلت من كل بلد شركة مساهمة وفسادا استشرى في كافة مناحي الحياة . سئمت الجماهير العربية من انظمتها التي كسدت بضاعتها وما عادت قادرة ان تقدم شئاً، فخطابها السياسي لم يتغير لا في مضمونه ولا في اخراجه حتى اصبحت الشعوب وطموحاتها تعيش في زاوية والانظمة واركانها في زاوية اخرى .

• هناك قلق سياسي وقلق اجتماعي ومجتمع عربي تقسم وتشرذم – وتيارات علمانية واخرى سلفية دينية وسلفية سياسية وحركات اسلامية ، ومجموعات ارهابية تعمل تحت شعار الدين وهي بعيدة عن روح الدين الحنيف وتعاليمه . رأينا ذلك في عراق الرشيد وفي اماكن اخرى و مئات الاحزاب العاملة وغير العاملة . لا نريد احزابا وهمية ببغاوية تصفق لكل مسؤول وانما نريد احزابا وطنية جريئة فعاله تـُظهر العجز والجهل وسوء الاداء . هناك فئات حاكمة متنفذه تحمل واقعاً متخلفاً اكاد اسميهم بالنخبة القاحلة الغير قادرة على انجاز شيء – فهل كل حركة وكل حزب وكل تجمع يفكر في مستقبل هذا الوطن ؟ الى اين التحرك الشعبي العربي ؟ الى انتخابات مبنية على حرية الاختيار – وهذا مظهر من مظاهر ممارسة الديمقراطية – فالدستور وحده يخلق المؤسسات الديمقراطية.

• هل الناس راضية على حالها ؟

• هل لدى شبابنا الرؤيا والاحلام والتصميم لاستشراق المستقبل ؟ الشارع هو الذي سيحسم الامر من جرّاء ضغطه المتواصل من اجل الاصلاحات المرجوة.لقيام الدولة المدنية القابلة للنمو والتقدم والاداء المميز والسياسات المقبولة .

صحيح ان مشروع الاصلاح في الاردن يجري بصورة مرئية ومسموعة دونما تنفيذ فعلي على ارض الواقع . انا لا اقول التفافا حكوميا وانما هو تباطؤ ملحوظ . فهل هو تباطؤ مبرمج ام انه مجرد ارتباك اداري ؟. والاردن يعيش اليوم في حالة ترقب وانتظار !

• تشكلت لجان إصلاح لتطوير التشريعات وتحديثها ؟ وما كان هناك طحينا ً!

• فالديمقراطية يمكن دعمها وليس تصديرها او استيرادها بل تنبع من الداخل . انها توفر الامثلة لخيارات الامكانيات استنادا الى التجارب . نرى ونسمع وجهات النظر في هذا الامر دون تنفيذ فعلي و تحويلها الى خطوات عمليه .

• ان الشعوب العربية تطالب وتعمل من اجل الديمقراطية المستدامة والمؤسسية رغم ان هذا الاستحقاق الديمقراطي قد تاخر في كافة ارجاء الوطن العربي – من جراء التهميش السياسي ، واحتكار القرار السياسي والاقتصادي والذي ادى الى الخلل في النهج المالي لدى الكثير من البلدان العربية . وما كان الاردن في منأى عن ذلك .

• الشعب هو وحده القادر على ان يحمل مشروع التطور الديمقراطي وليس الحكومات لوضع النُظم الانتخابية في تاسيس الاحزاب السياسية من خلال قانون عصري متكامل وليستوفي الشروط الحضارية في المجتمعات المدنية المتقدمة .

• بدأ الحراك الشعبي ولن يتوقف وسيكمل المشوار موجة بعد موجة . كُلٌ بفكره واسلوبه دون ان يتعدى احدٌ على شعار الاخر وليتسم باللاعنف، وان لا يبادلوا العنف بالعنف على الاطلاق مؤكدا على الوحدة الوطنية وعدم ترك الباب مفتوحا لمن يخطط باشعال فتيل الفتنة وطعن الوحدة الوطنية بتحريض الناس على بعضهم البعض . فالدولة للجميع وليست لفئة واحدة .

• يظن البعض ان الحراك الشبابي هو سحابة صيف لا بد وان تنقشع وتزول – لقد راهن الحكم العميل في اليمن على ان التعب والملل ستصاب بهما الحركات الشبابية لتتقلص وتنكمش شيئا فشيئا حتى تتوقف كليا وتلقائيا – وما حدث في واقع الامر هو العكس ، فالحراك يقوى ويكبر يوما بعد يوم ويزداد ايمانا وتصميما على اسقاط النظام بجميع اركانه واتباعه ومؤيديه .انه اعلان تاريخي بأفول عهد الدكتاتورية وكساد حكم الحزب الواحد . انها الحاكمية الرشيدة التي يريدها الشعب دون الاصرار على نوعية الحكم وتسميته .

• تشَعَّب هذا المطلب بعض الشيء في مصر المحروسة الى ان حدث التغيير الكبير ، والمسيرة طويلة وشاقة ، الا ان ارادة التغيير قائمة ومتواصلة ومستمرة.

• بعض الانظمة تحاول ان تتقوى باسرائيل بالتودد لها كما حدث في سوريا وليبيا والمغرب وهذا مرفوض لدى جماهيرنا العربية .

• الحراك الشبابي هو واحد في كل اقطارنا العربية – يريد اسقاط معظم الانظمة العميلة – في الجزائر سرق العسكريون ثورة المليون شهيد وقاموا بتزويد مجنون ليبيا بالمرتزقة وافتك الاسلحة ، لنرى الرجال في موقع اخر شبه عراة يجرونهم بالحبال وكاننا نشاهد فيلم مصارعة في العهد الروماني ، فالشعوب عبيدٌ وخدام لهم كما هم يتصورون .

• فالحراك الشعبي الى اين ؟

ماضٍ من اجل تطورات متلاحقة لأستعادة كرامة هذه الامة وسؤددها . فالحراك يريد:-

– العمل سويا من خلال انظمة ديمقراطية في ظل حياة حزبية تعددية كانت خاوية في السابق لتمتلئ الان بالعدَّة والعدد والرأي الصائب والتوجه الصحيح من خلال حوار وطني مسؤول تشارك فيه كافة القوى والفعاليات السياسية والاقتصادية والتعليمية والمجتمع المدني .

– وأد الشعارات الايديولوجية التي أدَّت الى قيام الديكتاتوريات والحكم الفردي بدءا بحزب البعث العربي الاشتراكي وانتهاء بالشيوعية ، ولا بأس من نسخ افكار قومية واشتراكية منها في تسميات حزبية اخرى .

– التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي من اجل بث روح العمل للفريق الواحد وعدم الاتكالية ومن ثم الانتماء الصادق للوطن .

– اسقاط كافة الانظمة الاستبدادبة القمعية التسلطية الفردية .

– احياء التراث الوطني

– العمل على انحسار الجزر الاقليمي وازدياد المد القومي واحياء التوجه القومي .

– تقليص المسافة ما بين القوى الاسلامية والقوى القومية لتتوحد وتتقوى الاولى دونما مذهبية وفئوية وسلافية ، فالاسلام ليس شيعة وسنة، وليس علويا ودرزيا، وليس سلفيا مقاتلا وسلفيا مسالما، وانما هو اسلام واحد ورسالته واحدة والاجتهاد مقبول دون تفرقة في الجوهر، وفي الناحية الاخرى تتقدم القومية ضمن اطار ديني محافظ مسيحياً عربيا كان ام اسلاميا ،وفي ذلك قوة لدعائم المجتمع المدني .

– فالحراك يريد التضامن العربي بدول مؤثرة وليست هامشية ، دول عاملة لشعوبها لا عالة عليها .الحراك يريد المشاركة الشعبية عبر القنوات الديمقراطية

والعمل على التضامن والتكاتف العربي. وبقوله تعالى ” وكذلك نـُؤتي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ” صدق الله العظيم

 

• ومن منطلق تواجدنا كاردنيين من اصول فلسطينية في هذا البلد الكريم المعطاء فانني أدعو انفسنا بعدم المشاركة بأي ّ ظهور عدائي للنظام وللأردن – احتراما لأخلاقية العيش المشترك ، مع حفظ الحق لنا في عمل كل ما يلزم لخدمة قضيتنا الجوهرية في فلسطين الحبيبة وعروسها القدس .اقول ذلك وانا لست موفدا من قبل احد ولست تابعا لاحد وانما من اجل سدَّ كافة السُبل للأساءة لنا بشكل او بأخر – فهناك من يصطاد في الماء العكر. وما يرتضيه اخواننا في الاردن لانفسهم نحن معهم في السراء والضراء ، مؤمنين ومتيقنين بان النظام سيقوم باصلاح النظام وفي القريب العاجل بإذن الله .

• منهيا كلامي بان الاردن القوي بشعبه ونظامه هو سند لفلسطين ولكل قضايا امتنا الماجده ، شاكرا لكم اصغاءكم .

الكلمات المفتاحية: الحراك الشعبي العربي الى أين ؟- د. جهاد البرغوثي