آراء ومقالات

الحب والفلسفة: غرام حورية الغابة وقرصان البحر

سالم العوكلي

ما الذي يجعل امرأة يهودية تستمر في شغفها بفيلسوف يُنظر للنازية ويؤمن بدورها في التربية؟ هل هو عمى الحب الذي كم شكل مجازا لقصائد الشغف؟ أم الفلسفة كفضاء تحلق فيه التأملات المجردة متبرئة من كل ما هو شخصي أو عاطفي أو غريزي؟ أم هو شيء أعمق وأكثر تعقيدا من كل ذلك؟

حنا أرندت فيلسوفة يهودية ألمانية، تتلمذت على يد مارتن هيدجر في مدينة ماربورغ، وكتلميذة مأخوذة بمعلمها الساحر وقعت في حبه بسرعة دون أن تتخلى عن بعض الحذر من أرائه التي تنذر بفراق جذري في الأفكار وفي المصير. يقول في إحدى رسائله الموجهة إليها بداية تعالقهما: العزيزة الآنسة أرندت، لن أستطيع امتلاكك أيضا، لكنك ستنتمين من الآن وقدما إلى حياتي وسينمو هذا الشعور فيك تدريجيا”.

في رسالته الثانية، بعد أقل من شهر، يتجاوز تحفظه ويناديها: “العزيزة حنا” ويكتب لها بعد مناداته الحميمية كلاما بقدر ما يتجرد عن العاطفة يبرر مسبقا إيمانه بما قد يفضي يوما لتقويض العلاقة: “يعيش الشعب الألماني، الآن، لحظة تاريخية عظيمة، ويعرف شبان المؤسسات الأكاديمية هذه العظمة. فما الذي يحدث إذن؟ يستعيد الشعب الألماني ككلٍ ذاته، ما يعني أنه يعثر على قيادته. في ظل هذه القيادة الشعب الذي استعاد ذاته يصنع دولة.” قاصدا بلحظة العظمة انتخاب هتلر مؤسس الحزب النازي.

كان قبل ذلك بعشر سنوات قد كتب إلى زوجته يقول: “إن تهويد ثقافتنا يشكل رعبا حقيقيا.. وأعتقد أن من واجب العرق الألماني الصافي أن يحرك ما في داخله من طاقات كامنة كي يصل في أقرب وقت للقمة”، وفي العام 1920 كتب إليها: “لقد أغرق اليهود والانتهازيون كل شيء” بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ورضوخها لشروط خصومها المذلة. في العام 1933، وبعد أن وصلت علاقة حبه الذروة بعشيقته حنا يكتب لزوجته مهاجما صديقه القديم الفيلسوف كارل ياسبرس قائلا: “يهز كياني أن يظل هذا الرجل الألماني الخالص ــ بغريزته الأصيلة التي تعرف الضرورة القصوى لقدرنا ــ مرتبطا بزوجته “. صديقه كارل ياسبرس الذي كان متزوجا من يهودية، استمر في الحفاظ على صداقتهما رغم اختلافهما العميق، سأله مرة كيف يمكن لرجل مثقف مثلك أن يحمل ذرة إعجاب بشخصية تافهة وفظة مثل هتلر؟”.

فأجاب هيدجر بيقين لا يخفف من وطأته حس الفكاهة: “لأن يديه جميلتان جدا”. ورغم ضحك كارل على ما يشبه النكتة السمجة إلا أنه أدرك أن المسافة بينهما تزداد يوما بيوم وليس سنة بسنة.

في بداية حياته تلقى هيدجر دعما من الكنيسة لدراسة اللاهوت، غير أنه في سن العشرين ترك اللاهوت واتجه لدراسة الفلسفة، ليعيش صراعا داخليا بين عقله المنفتح فلسفيا ووجدانه المتعصب لاهوتيا، ونال شهرة واسعة بعد نشر كتابه “الوجود والزمن”، وأصبح زعيما للوجودية أو مؤسسا لها نظريا، رغم أطروحته التي نُقِّحت فيما بعد من تلاميذه حيال الكينونة التي لا تعني في نظره أن تكون إنسانا فردا، أو أن “نوجد أنت وأنا” ولكن عبر الإقرار بأن نتحدث عن الوجود بضمير الجماعة “نحن”. ونحن في تلك اللحظة العظيمة بالنسبة له تعني الشعب الألماني الخالص. وهذه الشيزوفرينيا تجاه قوميته جعلته دائم التمجيد لـ (أراهام سانت كلارا) الشهير بتعصبه القومي المتطرف وبدعاواه إلى مذابح ضد اليهود، وهو التـمجيد الذي لم يتراجع عنه لزمن طويل حيث كان يرى في هذا المحرض الكبير على الكراهية والإبادة مُعلِّما كبيرا.

رغم كل هذا الوضوح الذي يقدمه هيدجر لرؤيته للألمان واليهود إلا أن العلاقة الصعبة استمرت، وحين جاءت لحظة الفراق، لم تكن بسبب كرهها له أو كرهه لها، أو لأن هيدجر كان متزوجا من امرأة متسلطة، لكن كان وصول الحزب النازي للحكم في ألمانيا العام 1933 إنذارا بالخطر الذي يتهدد اليهود، كما أن الاتهامات التي تهاطلت على هيدجر بمعاداته للسامية بعد أن تقلد منصب رئيس جامعة فريبورج، ولدت شعورا لدى حنا بالخطر القادم، فبعث إليها برسالة يحاول أن ينقذ من خلالها هذا الشغف الملهم بشكل مفارق: “العزيزة حنا، إن الإشاعات التي تُقلقك ما هي إلا قذف وتشهير… لكي أشرح لك موقفي من اليهود أقدم ببساطة الوقائع التالية” وذكر عدة مواقف هامشية يحاول بها دفع التهمة، مثل إشرافه على رسالة دكتوراة لشخص يهودي، قائلا في ختام الرسالة: “يجب أن لا يمس هذا علاقتي بك”.

انقطعت الرسائل بينهما لمدة 17 سنة، عندما استطاعت العشيقة الهرب إلى فرنسا ومن ثم إلى الولايات المتحدة، لتأتي العام 1950 باحثة عنه في ألمانيا، وتخبره في حضور زوجته المطلعة على علاقتهما أنها ترجمت كل أعماله إلى الإنجليزية. وتثبت الأيام أن ترجُمتَها لأعماله لم تكن برغبة فضح فيلسوف القلب النازي المؤسس للوجودية، ولكن بسبب شغفها بهيدجر وبطريقة عرضه لأفكاره، حتى التي أسهمت في إبادة جزء كبير من شعبها، بمعنى أن ما يمكن تسميته الحب الفلسفي كان القادر على الصمود في وجه التناقضات الكبرى، وكان القادر على أن يجمع الضحية والجلاد في علاقة حب تشبه أسطورةً علّم فيها الأستاذ تلميذته كيف ترى العالم وتفهمه، وعلمت التلميذة أستاذها كيف يكتشف نفسه كإنسان.

عالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان ، اليهودي الأب والأم، الذي حارب مع المقاومة البولندية تحت القيادة السوفياتية إبان احتلال النازيين لبولندا، يقول عن مثل هذا العمى الغنائي الذي يصاحب بعض حالات الحب المهووس: “أن الحب يفكك ماضيه وهو يحوم، فلا يترك أي خنادق محصّنة وراءه يمكن أن ينسحب إليها المرء ويحتمي بها في حالة الخطر، وهو لا يعرف ما تحمله الأقدار ولا ما يخفيه المستقبل، ولن يكتسب ثقة قوية تمكنه من تبديد الغيوم وإخماد القلق، فالحب مرهون بمستقبل غامض غير مضمون”.

فأي شيء أحبت فيه؟ وماذا أحب فيها؟ وكيف صمد الحب في قلب كل العواصف التي مرت به؟ أسئلة تصعب الإجابة عنها لكن ما يعنينا هو مفهوم الحب في بعده الفلسفي، حيث لا دوافع غريزية خلفه هنا، ولكن تأثيره البنيوي في تفكيريهما جعله يحلق مع الفلسفة فوق اضطرابات الأرض وصراعاتها، كان الفيلسوفان، سارتر وسيمون دي بوفورا، يسميان علاقتهما “الحب الضروري” في محاولتها لتفسير علاقة الحب الفلسفي بينهما التي لم تنتهِ رغم كل التناقضات والخيانات المتبادلة.

وفي المجمل، كما يقول حميد لشهب، مترجم الرسائل بين هيدجر وحنا: “لم يحاول أي فيلسوف بناء نسق فلسفي على الرمال المتموجة والسراب الحارق الوهاج والأهوج للحب كمطلب حياتي وجودي، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل المفكرين والفلاسفة يتحدثون عن الحب بحذر كبير، حتى وإن كان بعضهم قد عاش قصص حب كادت أن تذهب بعقولهم”.

كان هيدجر يطلق علي حنا اسم “حورية الغابة” وكانت هي تطلق عليه اسم “قرصان البحر” ، توفيت حنا في أغسطس العام 1975، وتوفي هيدجر في مايو العام 1976، بعد أن تركا درسا معقدا عن حماقة الحب حين يسمو فوق المواجهة الحادة، ولا يسمح لمشاعر الكراهية أن تقترب من معبده المشيد على تلة لا يمر بها الفضول المتسكع في مآزق الضعف الإنساني أمام القوة، تشبه ذاك الكوخ وسط الفلاحين الذي أقام فيه هيدجر أواخر حياته على منحدر زلق لتل عال متسع في جنوب الغابة السوداء، مقتبسا من حركة المكان مصادر إلهامه: “عندما تندفع عاصفة ثلجية هادرة حول الكوخ في منتصف ليلة شتوية فتغطي كل شيء وتخفيه، عندئذٍ، تحين اللحظة المثلى للفلسفة”.

بوابة الوسط

الكلمات المفتاحية: الحب والفلسفة