شايفين

التعديلات الدستورية.. وجهة نظر حقوقية

عين نيوز – كتب – نضال منصور /

لا يجادل الأردنيون بأن التعديلات الدستورية التي قدمتها اللجنة الملكية للحكومة خطوة للأمام بالاتجاه الصحيح، وهي حالة متقدمة عن الواقع الدستوري القائم، وبالتأكيد ستدفع المشهد السياسي خطوات نحو تجذير اللعبة الديمقراطية.

 

ما يراه الحراك الشعبي والنشطاء السياسيون والحقوقيون أن تعديل الدستور فرصة تاريخية لا يمكن أن تتكرر كل عام، وما دمنا قد بدأنا بورشة إصلاحات فمن الأفضل أن تمضي إلى أقصى الطريق، أولا لتحديث دولتنا ووضعها على سكة الدول الديمقراطية وثانيا للتجاوب مع تطلعات الشارع الذي يريد التغيير في زمن الثورات والربيع العربي.

 

المفاصل في التعديلات الدستورية التي نرى ضرورة الأخذ بها الآن لقطع الطريق على كل من يقول بأن التعديلات غير جذرية ليست كثيرة، وما يهمني هو المعالجة الحقوقية ومقاربتها مع المعايير والمعاهدات الدولية، وكنت أتمنى لو اجتمعت اللجنة الملكية مع ممثلي منظمات المجتمع المدني واستمعت لصوتهم وأخذت بمقترحاتهم التي وجهت لهم بمذكرة رسمية.

 

الفرصة لم تمض بعد، أمام البرلمان اختبار حقيقي ليثبت جديته في دعم مسيرة الإصلاح والديمقراطية وليتذكر الأردنيون عند مراجعة التاريخ من صنعوا دستورهم الجديد.

 

النقطة الأولى التي اعتقد أن من الضروري تحصينها في الدستور هو حماية الشعب من إقرار تشريعات من قبل الحكومة أو البرلمان تتعارض مع حرية التعبير والإعلام والحريات الشخصية، وفي هذا المجال فان أفضل نص يمكن الاقتداء به هو الأخذ بالتعديل الأول على الدستور الأمريكي والذي يقول “لا يصدر الكونجرس أي تشريع يحد من حرية التعبير أو الصحافة أو من حق الناس في الاجتماع سلميا”.

 

وهذا النص يقطع الطريق على الحكومة والبرلمان معا من إقرار تشريعات تخالف الحقوق الأساسية، وهو أكثر قوة وجدوى من وضع مادة تمنع إقرار تشريعات تتعارض مع الدستور، فتاريخنا حافل في تجاوزات السلطتين التنفيذية والتشريعية على الحقوق الأساسية وفي إقرارهما قوانين مخجلة منها قوانين المطبوعات والنشر والاجتماعات العامة.

 

وأبعد من حرية الإعلام والتعبير فان المنظمات الحقوقية في الأردن تطالب بإضافة نص يمنع سحب الجنسية أو نزعها من الأردنيين، حتى لا يظل حق المواطنة منة من أحد، وحتى لا ينام الإنسان ويصحو من نومه فيجد أنه قد جرد من جنسيته.

 

ويعتقدون أن من الضروري وقف التمييز الجندري من خلال القول “الأردنيون ذكورا وإناثا متساوون في الحقوق والواجبات ولا يميز بينهم في القانون وأمام القانون وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس”.

 

بعد عقود من التباهي بأن الأردن قطع أشواطا في إنصاف المرأة آن الأوان لوقف هذا التميز، وكل الذرائع السياسية لا تقبل إذا تطاولت على حق إنساني لصيق، ولا تغيب الحقوق وتقبل الممارسات التميزية خوفا من افتراضات سياسية.

 

كان يفترض في اللجنة الملكية أن تضع نصا لا لبس فيه يشير إلى أن المعاهدات الدولية التي صادق عليها الأردن لها صفة السمو على القوانين الوطنية، وبأنه لا يجوز إقرار قوانين تتعارض مع الدستور ومع هذه المواثيق أيضا، صحيح أن القضاء ذهب بشكل محدود إلى اعتبار أن هذه المعاهدات تسمو على القانون الوطني، ولكن الأصل هو أن نقر تشريعات تتواءم مع هذه المعاهدات، وهذا عدا عن أهميته حقوقيا فانه يحسن من صورة الأردن على الخارطة الدولية.

 

إن استناد التعديلات الدستورية إلى منطلقات حقوقية يدفع منظمات المجتمع المدني للمطالبة بإضافة كلمة انتهاك إلى الفقرة (2 ) من المادة السابعة، وكذلك الإشارة إلى أن الانتهاكات والاعتداءات على الحريات العامة لا تسقط الدعاوى عنها بالتقادم، وفي ذات السياق لابد من النص على حظر التعذيب بأي شكل من الأشكال في الفقرة (2) من المادة (8) من الدستور، وأن ينص صراحة على “للأردنيين حق الاجتماع السلمي والتجمع السلمي” على إطلاقها وأن تلغي عبارة ضمن حدود القانون لأننا نعاني الويلات من القوانين والأنظمة والتعليمات.

 

وفي الجدل حول المحكمة الدستورية فإننا نجد أن من الضروري إعطاء الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني الحق في الطعن بالدستورية، فلا يعقل أن يحصر الأمر بالحكومة والبرلمان وكلاهما من يشرع، إضافة إلى إعطاء الحق لكل مواطن بالطعن بالدستورية من خلال المحاكم مباشرة، وهي تحيلها إذا وجدت أسبابا موجبة إلى المحكمة الدستورية دون اشتراط عرضها على رئيس محكمة الاستئناف.

 

أن استقلال القضاء ركن أساس في الدستور ولابد من تحصينه، والتعديلات التي قدمت جيدة والمطلوب هو إلغاء القضاء الاستثنائي، يعني إلغاء محكمة أمن الدولة سواء لقضايا الإرهاب أو التجسس أو الخيانة العظمى.

 

فما الذي يمنع المحاكم المدنية من نظر هذه القضايا، خاصة أن هناك من يتخوف بأن الإرهاب غير معرف، وغدا ربما يحال صحفيون تحت يافطة مكافحة الإرهاب لأنهم نشروا أخبارا لتنظيمات تعتبر برأي الحكومة إرهابية، إذن حتى نستريح ونغلق هذا الباب لماذا لا ننتهي من محكمة أمن الدولة والى الأبد؟!

 

مجلس الأمة يواجه تحديا بعد أن تلقى التعديلات الدستورية ومن واجبه أن يستمع لكل الآراء والأصوات وفي مقدمتها مؤسسات المجتمع المدني الحقوقية لأنها تعاين الدستور من وجهة نظر ومقاربات حقوقية ودولية وليس وطنية فقط.

 

نجاح النموذج الأردني بالإصلاح المختلف عن ما يحدث في العالم العربي يحتاج إلى جرأة وإرادة جادة واستجابة لنبض الشارع ووقف التغول الحكومي الذي ساد لعقود وعقود.

الكلمات المفتاحية: التعديلات الدستورية- الحراك الشعبي- اللجنة لملكية- المشهد السياسي- حقوق- نضال منصور