آراء ومقالات

الاحتجاجات الشعبية والسياحة في الأردن!

 

 نضال منصور

 

يوشك الصيف أن ينتهي وحتى الآن لا توجد معلومات نهائية عن وضع السياحة وهل انتعشت أم تراجعت، وهل استطعنا أن نستقطب السياح الخليجيين بعد أن أغلقت أبواب دمشق وبيروت ومصر بوجههم بسبب عدم الاستقرار والاحتجاجات والثورات، أم أن “عدوى” الإحساس بأننا منطقة غير مستقرة وصل إلينا وبالتالي رحل السياح إلى مناطق أخرى أهمها تركيا؟!

 

المواطنون الأردنيون يشكون من ازدحام السير بسبب السياح واكتظاظ المطاعم والمقاهي، لكن المتخصصين في قطاع السياحة يقولون بأن إشغالات الفنادق هذا الصيف كانت أقل من عادية وأن مؤشرات تدفق السياح الخليجيين لم تكن واعدة ومبشرة، وأن الأكثرية التي حضرت للأردن هم من الأردنيين المقيمين بالخارج، وهم لا يرجعون المشكلة فقط للأحداث الساخنة التي تحدث بالمنطقة، وإنما أيضا لأن إجازة الصيف قطعها في منتصفها شهر رمضان بما يفرض على الكثيرين العودة لبلدانهم.

 

الشيء المؤكد الذي يجمع عليه خبراء السياحة والحكومة بأن السياحة الأجنبية قد تضررت بالأردن وهذا يعود بشكل مباشر إلى أن الأردن يقدم في الإعلام على أنه جزء من الحالة الملتهبة في المنطقة، وتسليط الضوء على الاعتصام والمظاهرات يزيد من هذه الأزمة، وأن المطلوب هو التأكيد على حالة الأمن والاستقرار في الأردن.

 

التذرع بأن المسيرات والاحتجاجات تضر بالسياحة يفتح باب الجدل، ويثير سؤالا مفصليا أيهما أكثر ضررا احتجاجات سلمية تلتقطها عدسات الكاميرا، أم اعتداءات رجال الأمن على المحتجين، وما لا يعرفه رجال الحكومة بأن مسيرة سلمية قد لا تعرض لأكثر من دقيقتين على شبكات التلفزة وقد لا تختار لها أي صورة في وكالات الأنباء العالمية، لكن حين يجري الاعتداء على المحتجين يفتح الهواء في المحطات الفضائية لهذه المسيرة وتعرض الصور في كل مكان!

 

في ساحة “الهايد بارك” بلندن تصبح الاحتجاجات السلمية والخطابات المعادية حتى لحكومة بريطانيا ونظامها الملكي جزءا من المنجز السياحي يأتي الناس لمشاهدته من كل دول العالم… فلماذا لا نتعظ ولا نتعلم؟!

 

وبعيدا عن الاحتجاجات فان الحق يقال بأن الحكومة وعلى رأسهم وزيرة السياحة والآثار الدكتورة هيفاء أبو غزالة لم يقصروا في تشجيع السياحة سواء بتسهيل مرور السياح عبر المراكز الحدودية بيسر ودون تعقيد، أو بإعادة مهرجان جرش إلى مكانته الطبيعية وان كان هذا العام بعد انقطاع لم يأخذ حجمه المعهود ربما لتأخر القرار في عودته، وقد يكون ضعف الموازنات المرصودة له، أو لقصر فترته بسبب رمضان، وما يعوض عن هذا الأمر هو مبادرة الوزيرة أبو غزالة بإطلاق “ليالي القلعة” بما تفسحه من فضاء فني وترفيهي خاصة في ليالي رمضان التي تطول.

 

السياحة للأردن مفصل وعصب أساس لاقتصاده فقد حققت دخلا في العام الماضي يقترب من مليارين ونصف ووفرت 42 ألف فرصة عمل، وما يجب الاعتراف به أن مشكلات السياحة أكثر تعقيدا وأبعد من قصة الاحتجاجات والثورات في المنطقة.

 

فوزارة السياحة كلها لا تنظر الحكومات لضرورتها وإلا كيف تغير أربع وزراء سياحة في عام، وكيف نتصور أن نستطيع أن نبني وننجز ونحن لا نخلق استقرارا، والأدهى أن ميزانياتها لا تمكنها من فعل شيء، وصدق النائب أحمد الصفدي رئيس لجنة السياحة في البرلمان حين قال بأن وزارة السياحة في الحكومة جائزة ترضية؟!

 

التحديات التي تواجه قطاع السياحة كثيرة، والأسئلة التي تثيرها هذه القضية أيضا متعددة، فهل لدينا بالأساس بيئة سياحية قادرة على الجذب والمنافسة، وهل توجد لدينا تقاليد وثقافة سياحة، وما واقع استراتيجيات التسويق السياحي؟!

 

والحقيقة التي لا يجوز نكرانها بأن هيئة تنشيط السياحة ساهمت في ترويج الأردن بالخارج وفتحت مكاتب متعددة للترويج ونشطت في فتح أسواق جديدة للسياحة وتواصلت مع وسائل الإعلام لحثها تقديم الأردن بصورة جديدة، وفي نهاية المطاف فان الواقع يقول بأنها لا تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك، فالموارد المالية المخصصة لها لا تكفي ربما لإعلانات في وسائل إعلام دولية مشهورة ومقارنتها مع هيئات لتنشيط السياحة في دول المنطقة مثل تركيا ظلم كبير!

 

خبراء السياحة في الأردن يقرون أن في الأردن منتج سياحي فريد من نوعه، فالبتراء وجرش والبحر الميت ووادي رم مواقع سياحية لا مثيل لها، وعلى هذا الأساس فإنهم ينادون بالتخصص السياحي مؤكدين أن هذا يقوي مركز الأردن بالمنافسة السياحية، فمن يريد السياحة الترفيهية يستطيع أن يجدها في دول كثيرة وربما أفضل من الأردن أما من يريد التراث ورؤية البتراء فلن يجد أي مكان إلا عندنا.

 

وما عرفته من عميد كلية السياحة والتراث في الجامعة الهاشمية الدكتور محمد هديب يستحق أن نروجه بشكل جيد، فمثلا أقدم كنيسة وأقدم شارع في العالم موجودان في الأردن.

 

مشكلة السياحة ليست ترويج وتسويق وأموال، وباعتقادي أنها أعقد وتمتد للوعي المجتمعي بأهمية السياحة والإيمان بها وقدرتنا على تجاوز تابوهات البنية العشائرية المحافظة في التعامل مع السياحة، والأهم أن تصبح السياحة جزءا من منهاج التعليم للطلبة منذ نعومة أظافرهم.

 

مأسسة العمل لإنجاح السياحة خطوة أساسية ويدعو المشتغلين في هذا القطاع إلى تأسيس غرفة للسياحة على غرار غرفة الصناعة والتجارة ويطالبون بمجلس للسياحة لا يتغير مع مواسم العام يضع استراتيجيات ويراقب تنفيذها بدل تبعثر الجهات المشرفة على السياحة في الأردن.

الكلمات المفتاحية: الاحتجاجات- السياح الخليجيين- الشعبية- نضال منصور