آراء ومقالات

الإنقسام الفلسطيني والأولويات الوطنية

مروان كنفاني’

لم يعد هناك في أرفف المكتبات العربية والأجنبية من حيّز لاستيعاب جديد عن انتهاكات إسرائيل ضد الشعب والأرض الفلسطينية، كما لم يعد هناك مكان للمزيد من الكلمات لإثبات تضحيات ونضال وصمود الفلسطينيين وتمسكهم بوحدتهم الوطنية ووحدة أرضهم وشعبهم في وجه هذه القوة العاتية المدعومة من قبل حلفائها من القوى العالمية .

ولم يعد هناك وجود بالتالي في هذا العالم لمن لم يسمع أو يقرأ أو يعرف تاريخ الحركة الصهيونية الدامي وتأثيرها المدمّر ليس على فلسطين والفلسطينيين فحسب بل وعلى شعوب الأمة العربية وأرضها وواقعها ومستقبلها.

هذا المقال يتحدث، ربما في تجربة نادرة لم يسبق تكرارها في السنوات الماضية، عن فلسطين أيضاً، ولكن ليس عن الإسرائيليين ولا عن الحركة الصهيونية ولا عن قوى القهر العالمية، بل عن الفلسطينيين انفسهم، ليس بعيداً عن تجربتهم الطويلة ونضالهم الصلب والصعب ومواكب شهدائهم التي لا تنتهي ولكن أيضاً، بتركيز واجب، على أخطائهم التي توارثتها وصنعتها أجيالهم المتعاقبة والتي نشهد اليوم نتائجها الأليمة على شعبنا وقضيته الوطنية.

لماذا هذا المقال الآن؟ هذا المقال واجب الصدور الآن لسبب بسيط وهام يتلخص بالإنقسام الحالي للشعب والأرض الفلسطينية، هذا الإنقسام الذي يبدو أنه قد ترسّخ وأصبح واقعاً لن يمكن، في المستقبل المنظور على الأقل، إصلاحه أو العودة عنه. إن كل الأخطاء والخطايا التي شابت العمل الوطني الفلسطيني منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى الآن، وهي كثيرة وكبيرة، لا ترقى مجتمعة إلى الخطأ الذي نقع فيه الآن بقسمة الأرض والشعب الفلسطينيين، الأمر الذي عجزت كل القوى المعادية لطموحات وأهداف شعبنا عن تحقيقه خلال قرن من الزمن.

في شهر أغسطس/ آب 2007، وبعد حوالي شهرين من استيلاء حركة حماس على الأمور في قطاع غزة، أوردت في كتابي ‘سنوات الأمل’ الذي صدر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام الفقرة التالية حول هذا الموضوع (… لن تتمكّن، في المدى المنظور، السلطة الفلسطينية، ولا حركة فتح، ولا الرئيس عباس أو أي رئيس فلسطيني آخر من خارج حركة حماس، استعادة السيطرة أو الوجود في قطاع غزة. كما لن تتمكن حركة حماس أو رئيس الوزراء هنية أو أي رئيس وزراء آخر من حركة حماس من إيجاد موطئ قدم له في الضفة الغربية. لقد تكرّس الانفصال الجغرافي والسياسي والنفسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولسوف يحتاج الأمر، بمرور الزمن، لمعجزة لإيجاد مجرد صيغة جديدة لعلاقة سلمية بين هذين الجزئين المتبقيين للفلسطينيين).

لا يهدف هذا المقال كما لا يهتم بالتشهير أو الشماتة أو اللوم أو تحميل المسؤولية، ولكنه معني فقط وعلى سبيل الحصر بالتأكيد على تجربة الأجيال الفلسطينية المتتابعة، عن صمود تلك الأجيال ونضالهم وانجازاتهم، عن عشقهم لبلادهم وتصميمهم على التمسك بها وحنينهم لكل ذرّة من ترابها.. حتى تقتدي هذه الأجيال بها، وعن منازعاتهم أيضاً واختلافهم وتفرقهم وولوغ بعض منهم في دماء وذمم ووطنية بعضهم الآخر.. حتى يتحاشوها.

منذ أن انهارت الإمبراطورية العثمانية وانسلخت عنها الشعوب العربية في عام 1918 وابتدأ تشكّل الدول العربية على الشكل الموجود به هذه الدول في وقتنا الحاضر، بقيت القضية الفلسطينية ركناً أساسياً في أولويات السياسة الخارجية والداخلية لتلك الدول، خاصة منها تلك المجاورة للأراضي الفلسطينية مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان لأسباب متعلقة بالوحدة التاريخية والإنتماء القومي والديني. بينما ألقيت عمليّاً، منذ ذلك التاريخ، على عاتق الشعب الفلسطيني مهمة المحافظة على كافة الأرض الفلسطينية، وفي وقت لاحق تحرير كافة الأرض الفلسطينية، وفي وقت لاحق آخر إقامة فلسطين على جزء من الأرض الفلسطينية.

كانت تلك التركيبة التاريخية للعمل العربي والفلسطيني هي السبب الأساسي للعوارض التي انتابت طبيعة ومسار تاريخ التعامل مع الصراع العربي الفلسطيني من جهة وإسرائيل والصهيونية العالمية والاستعمار الغربي من جهة أخرى. لم تأل الدول العربية منذ البداية عن التدخل في العمل الفلسطيني ودعم الانقسام والتعدد وتأليب الفلسطينيين على بعضهم الآخر. من ناحية أخرى درج الفلسطينيون منذ البداية، ربما بسبب تلك السياسات العربية أو نتيجة لها، على التناحر والاختلاف حول من سيقود العمل الفلسطيني في هذه المهمة الصعبة وكيف ستتم إدارة هذا الصراع ووفق أي من النظريات والاستراتيجيات والتحالفات. وببساطة أكثر فإن كل المشاكل التي اعترضت وعطّلت امكانيات النجاح لكل التضحيات التي قدمتها الأجيال الفلسطينية والعربية دفاعاً عن فلسطين وعروبتها وحريتها كانت نتيجة لهذين السببين، التدخل العربي في شأن اتخاذ القرار الفلسطيني والخلافات والصراعات الفلسطينية الداخلية. لقد سيطر هذان السببان على مجمل العمل الفلسطيني والعربي بشكل أصبح كل منهما سبباً للآخر ونتيجة له أيضاً. وسوف نركّز في هذا المقال على الشق الفلسطيني من تلك التركيبة التاريخية.

يتجلى اليوم عمق المأساة الفلسطينية الذاتية في مشهد تكرر ويتكرر في بعض العواصم والمدن العربية وغير العربية المجاورة لفلسطين، وغيرها من البعيدة عنها، حيث ينتظر مسؤولون من تلك العواصم والمدن وصول وفدين مختلفين، قادمين عن طريقين مختلفين، ليرحبوا بهم ويرافقوهم لفندقين مختلفين، يتركوهم فيها في عناية فريقين مختلفين، لينقلوهم في وقت لاحق في موكبين مختلفين إلى مكان اجتماع تفاوضي، على غرار المفاوضات الإيرانية الأمريكية في اسطنبول أو الصربية البوسنية في بروكسل، يجلس فيه كل طرف على جانب من طاولة مفاوضات يفصل بينهما الوسيط لتلك الجولة من المفاوضات الفلسطينية الفلسطينية التي ما زالت تدور بشكل أو آخر والتي لم تؤد إلى أية نتائج ملموسة سوى الاتفاق احياناً على الاجتماع مرة أخرى غالباً في موعد غير محدد، ووقف التصعيد وفك الاشتباك والاعتقالات والتوصل إلى هدنة سرعان ما تنهار بين الفصائل الفلسطينية المتناحرة.

لماذا وصل الفلسطينيون لهذا الوضع المخجل والمسيء للشعب والقضية الفلسطينية المقدسة التي ذهب في سبيلها مئات الآلاف من الشهداء والمصابين في تواصل من تضحيات الأجيال الفلسطينية منذ قرن من الزمن ؟ وكيف وصلت الأمور بقيادات هذا الشعب الذي ضرب مثلاً يحتذى للعالم بأسره بالتضحية وانكار الذات في سبيل استعادة وطنه وحريته وحقه في تقرير مصيره؟ وما هي حقيقة الإدعاءات بأن أسباب هذا الاختلاف هي أساسية وجوهرية ترتكز على تمسك كل منهما بمبادئ لا يمكن الحياد عنها، ومصداقية نابعة عن معرفته وحده للطريق والمنهج القويم، وتمتعه الفريد بالقيادات المؤهلة والقادرة على حل مشاكل شعبنا كاملة وقيادته نحو النصر الأكيد الذي لم تظهر أية بادرة له بعد.

أصبح اليوم لدى شعبنا الفلسطيني المقهور المظلوم، القليل بعدده والضيق بأرضه والمعرّض لانتهاكات يومية من قبل الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي، المشغول بالتمسك بأظافره بالقليل المتبقي من أرضه، أصبح لدى هذا الشعب اليوم رئيسان وحكومتان وجيشان ومنظومتان من الأجهزة الأمنية وعلمان بلونين مختلفين يخفقان إلى جانب العلم الفلسطيني المرفوع في مكتب رئيس سلطة رام الله المنتهية ولايته منذ ثلاثة أعوام، وفي مكتب رئيس حكومة غزة المقال من منصبه قبل خمس سنوات. . إنه من المخجل والمسيء لتاريخ النضال الفلسطيني المشرّف أن يكون ما زال العديد من الشباب الفلسطيني المناضل قابعاً في سجون السلطة والحكومة المقالة، في مقاربة وإضافة مؤلمة غير مــــرحب بها من شعبنا، للآلاف من الأسرى الفلسطينيين الأبطال في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

تعتمد كل من الحكومتين الفلسطينيتين برنامجاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مختلفاً عن الأخرى، بل ومتضاربا معه، والعامل الوحيد الذي يجمع بينهما هو حقيقة أن كلتا الحكومتين تتواجد وتعمل في ظل اعتراف كامل بها ومنها، قانوني أو واقعي، بحكومة اسرائيل وسلطات الاحتلال المنبثقة عنها. ولا يستطيع أي من رئيسي هذين الكيانين أن يتحرك من مكان إلى مكان وبلدة إلى بلدة أو خارج الحدود الوهمية لكيانيهما الصغيرين إلاّ بإذن من المحتل. وبينما يتجاهل رئيس الضفة الغربية، في طريقه إلى دولة الأردن المجاورة، الحواجز الإسرائيلية المتحركة والثابتة التي يتم إذلال الفلسطينيين، نسائهم وأطفالهم ورجالهم يوميّاً على مشارفها، ينظر رئيس حكومة قطاع غزة إلى الناحية الأخرى متحاشياً مشاهدة التنسيقات والأذونات التي تتم مع سلطات الاحتلال لخروج ودخول التجار والمرضى والطلاب ومسافري قطاع غزة إلى إسرائيل والضفة الغربية ومصر، ويتجاهل بدوره عشرات الشاحنات التي تنقل كل صباح بضائعها الإسرائيلية على الجانب الآخر من الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل بتعاون علني ومباشر بين موظفي الاتصال الفلسطينيين والإسرائيليون. إن أكثر ما يؤلم الضمير الفلسطيني اليوم هو أن هذا الخطأ التاريخي المشين الذي أسفر عن انقسام الشعب والأرض الفلسطينية، والذي يتحمل مسؤوليته التنظيمان الأكبر والأقوى على الساحة الفلسطينية، هو الكارثة الأقوى والأخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني التي لم ترتكبها أو تتسبب فيها إسرائيل، بل الفلسطينيون أنفسهم.

إن الظروف التي تحكم قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وقضية الفلسطينيين في داخل وخارج الأرض الفلسطينية، هي نموذج واضح للاحتلال الاستيطاني الأجنبي البشع، والاختلال المريع في توازن القوى العسكرية والإقتصادية، والهوة الواسعة في حجم وقوة التحالفات الدولية. وقد يمكن تبرير انسياق كل من الحكومتين الفلسطينيتين للشروط التي يفرضها الاحتلال كمحاولة منهما لتخفيف عذابات الشعب الفلسطيني اليومية.

تكمن المشكلة الحقيقية في إدارة الصراع من الجانب الفلسطيني، من قبل أصحاب نظرية المقاومة المدنية والاشتباك السياسي والتفاوضي في حكومة رام الله وأيضاً أصحاب نظرية المقاومة المسلحة الرافضة لكافة الحلول التفاوضية السلمية في حكومة غزة، في أن سياستيهما الحالية سوف تنجح فقط في تثبيت الوضع الراهن، والذي لا تستفيد منه سوى إسرائيل، ليصبح وضعاً دائماً لسنوات طويلة قادمة على غرار ما حصل منذ العام 2006 وحتى الآن.

تتهرب القيادتان الفلسطينيتان اليوم من المعالجة الصادقة والضرورية للأولويات الوطنية التي يجب التركيز عليها والتعاون بشأنها في المرحلة الحالية والتي تتبلور في إعادة اللحمة للشعب والأرض الفلسطينية، ذلك أنه بدون تحقيق هذه المصالحة فإنه لن يتمكن أحدهما من الانخراط في مقاومة حقيقية وفاعلة تتجاوز استعمال هذا الشعار كوسيلة للتمسك بالحكم، كما لن يتمكّن الآخر من تحقيق استقلال واعتراف دولي عن طريق مفاوضات أوراق قوته فيها لا تتجاوز التهديد بعدم المشاركة فيها أو حلّ السلطة الوطنية الفلسطينية..

إن أول وأهم الخطوات التي يجب اتخاذها الآن وأكثرها الحاحاً هي إعادة اللحمة بين الشعب والأرض الفلسطينية، إن ما يدعو إلى قلق حقيقي هو أن قادة العمل السياسي الفلسطيني قد أسهموا في تصعيب وتعقيد هذا المطلب الوطني عن طريق الإنحياز المندفع لعضوية تحالفات إقليمية ودولية متصارعة قد يكون هؤلاء القادة قد فقدوا خلالها القدرة على اتخاذ قرار المصالحة الوطنية في ظل تشابك مصالح وأولويات وأهداف تلك الأحلاف.

يحتّم الواجب الوطني اليوم قبل الغد أن تتحلى حركتا فتح وحماس، بالشجاعة في تحمّل مسؤولية التراجع عن هذا الإنقسام بشكل فوري كأولوية وحيدة وآنية للعمل الفلسطيني الوطني بدلاً من الارتماء في محادثات ووساطات ومفاوضات عقيمة لا جدوى منها، وتبادل للاتهامات والإدعاءات، وتمسّك تبريري للاستمرار في الحكم عن طريق التمترس خلف شعارات المقاومة والممانعة في ظل انقسام فلسطيني ووضع عربي وإسلامي متدهور سيقود بالضرورة إلى نفس النتائج التي ستقود لها سياسات المفاوضات العقيمة وادعاءات تحقيق الانتصارات الزائفة بانضمام فلسطين لمؤسسات الأمم المتحدة والوكالات الدولية على طريق تحقيق استقلال فلسطين، في محاولة بديلة تكرّس العجز السياسي الفلسطيني، ومغالطة ساذجة لحقائق الحياة والسياسة من قبل البعض الحالم في مكاتب السلطة الوطنية في الضفة الغربية.

لقد قاتل الرئيس الراحل ياسر عرفات رحمه الله، وفاوض وانتصر وفشل، وأخطأ وأصاب في معارك مستمرة، قتالية وسياسية، لحوالي نصف قرن من الزمن معتمداً على عنصر قوة وحيد واحد، هو الوحدة الوطنية الفلسطينية، وما لم يع قادة فلسطين الحاليون هذه الحقيقة فلن يرجى منهم لا مقاومة حقيقية فاعلة وملموسة ولا مفاوضات تقود سوى لاستسلام مهين.

‘ كاتب وسياسي فلسطيني

الكلمات المفتاحية: الإنقسام الفلسطيني والأولويات الوطنية- مروان كنفاني'