آراء ومقالات

الإلهام التونسي: “دومينو الحرية”!

 محمد أبو رمان
محمد أبو رمان

التطورات الدراماتيكية المتسارعة في تونس تتجاوز حدودها الجغرافية إلى العالم العربي بأسره، وإذا ما تكرّست الإصلاحات الجذرية، فإنّنا نكون أمام أول “ثورة عربية” بيضاء ضد الاستبداد، ومصدر إلهام لملايين العرب لتكراره في دول أخرى، كما في لعبة الدومينو.

حتى كتابة هذه السطور فإنّ مصائر الأمور غير واضحة، لكن التنازلات الأخيرة التي قدمها زين العابدين بن علي، ولم يكن يحلم بها الناس قبل ذلك، زادت القناعة لديهم بأنّ النظم العربية لن تقدم أي تنازلات حقيقية في الديمقراطية إلاّ تحت وطأة ضغوط شعبية كبيرة.

من كان يصدّق قبل أشهر فقط أنّنا سنسمع هذه الهتافات، ونشهد هذه الصدامات في واحدة من أكثر الدول البوليسية العربية “يسقط جلاّد الشعب.. يسقط قتلة الشعب.. إلى الأمام للشوارع والصدام، نموت نموت ويحيا الوطن.. إذا الشعب يوماً أراد الحياة،.. يا عصابة السرّاق، تونس شعب لا حكومة ضد الهجمة البوليسية”!
ولم يُجدِ مع الحكومة أنّها أعلنت حالة الطوارئ، وقبل ذلك حظر التجول، ولا وقف التدريس في الجامعات والمدارس “إلى أجل غير مسمّى”، في محاولة “كاريكاتورية” لوقف حركة التاريخ ومنطقه، الذي أفصحت عنه، مبدئياً، الحركات الشجاعة في تونس والجزائر.

النموذج التونسي كان استثنائياً، إذ استطاعت الحكومات السيطرة تماماً على الحراك السياسي، وتأميم أي منابر معلنة، والزج بالمعارضين في السجون، وعقوبات بلا رحمة، وكبت ومصادرة لكل أنواع الحريات العامة والإعلامية والسياسية.
كل ذلك تمّ تحت غطاء اقتصادي بذريعة تأمين فرص العمل والنمو الاقتصادي، وربما أكثر ما كان يشكو منه الإصلاحيون التوانسة هو التجاهل الغربي للحالة التونسية، والقفز عنها تماماً في ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، بذريعة النجاح في إدارة الملف الاقتصادي.

حركة الشعب التونسي صدمة للجميع، تقلب الطاولة على النظرية الفاشلة التي روّجت لازدهار اقتصادي في ظل قمع سياسي وأمني، وتأتي هذه الحركة من أقصى نقطة متطرفة، ومن مكان بعيد تماماً عن الأنظار، وهو ما يمنحها قيمة ودلالة رمزية كبيرة.

النفاق الغربي يتبدى اليوم بردود الفعل الخجولة إلى الآن والصوت المنخفض الذي يتحدث به كلّ من الأوروبيين والأميركيين تجاه ما يحدث من فظائع ضد حقوق الإنسان وحرياته، لكن في الوقت نفسه فإنّ انطلاق هذه الحركة من قلب الشارع ونبضه يمنحها مشروعية مطلقة ومصداقية كاملة.

ما يحدث في تونس اليوم بمثابة “نقطة النهاية” القصوى، وانعطافة تاريخية في المسار العربي الحالي، حينما لم تقف الحكومات عند حدود الفشل في الإصلاح السياسي أو في المشاريع التنموية أو حفظ الكرامة الوطنية والإنسانية للمواطنين، بل تمادت إلى تكريس تحالف جديد بين الفساد والاستبداد نهب الموارد العامة وأكل الميزانية وترك شريحة واسعة من المواطنين بلا أي غطاء مالي، وبصفاقة واضحة.
لعلّها المرّة الأولى التي تنزل بها الشعوب العربية إلى الشارع بهذه الكثافة والزخم دفاعاً عن حقها في الحياة الكريمة والكرامة وعن حرياتها المفقودة ومواردها المنهوبة، وهي بلا شك إرهاصات لولادة مرحلة جديدة و”مواطن عربي آخر” ينزل إلى الشارع دفاعاً عن خبزه وحريته وحقوقه.

الأمل معقود أن تكون مآلات الثورة البيضاء التونسية ديمقراطية وتعددية تفتح الباب العربي المغلق وتلج منه بقية الشعوب لتنعم بدفء شمس الحرية وأشعتها، فالظلام لم يعد يحتمل، واللعبة انتهت!


الكلمات المفتاحية: الإلهام التونسي: "دومينو الحرية"!- محمد أبو رمان