آراء ومقالات

الإعدام للرئيس أم البراءة

سعيد السني

الحكم بإعدام الرئيس المصري المخلوع مبارك شنقاً, لن يصدر لمجرد ان النيابة العامة طلبت إنزال هذه العقوبة، ذلك أن مرافعة النيابةالعامة في قضية قتل المتظاهرين، المتهم فيها الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك, ووزير داخليته حبيب العادلي, وأربعة من مساعديه, لا تزيد عن كونها “ادعاء”, ويجب ان يكون هذا الادعاء مستنداً إلى ما يؤيده بالأدلة القطعية التى تقطع باليقين كل الشكوك, وفي نهاية الأمر, يظل هذا الادعاء مجرد وجهة نظر, غير مُلزِمة, فإذا اقتنع بها وجدان “المحكمة” واطمئن، أخذت بها, فإن لم يكن فلا تثريب عليها.

فقد ترافعت النيابة العامة على مدار ثلاثة أيام, وانتهت يوم الخميس الماضي (5 يناير), إلى طلب الحُكم بالإعدام شنقاً لـ”الرئيس”، والعادلي، وأربعة آخرين.. جاءت المرافعة خطبة عصماء، ورنانة حماسية، تلهب المشاعر وتثير الشجون إلى حد البكاء حزناً على فلذات الأكباد الذين سقطوا “شهداء”ً لثورة 25 يناير، وسالت دماؤهم الذكية انتزاعاً للكرامة والحرية والعيش الكريم للشعب، وهي بلا جدال، مرافعة إنشائية بليغة، معبرة عما يجيش بصدورنا ونفوسنا من جراح، إذ هي سرد مُحكم وجامع لـ”الخطايا السياسية” التي ارتكبها المخلوع وعصابته، من استبداد وإفساد للحياة السياسية ومحاولة لتوريث “المقعد الرئاسي” لنجله الاصغر جمال، ويا للأسف، فمثل هذه الخطايا الذي جاءت في المرافعة، رغم بشاعتها ونتائجها التخريبية المدمرة، فإنها ليست جرائم جنائية، ومن ثم فهي لا تقع تحت طائلة قانون العقوبات..

أما “الجريمة الجنائية” المعاقب عليها قانوناً، فهي المنسوبة للمخلوع والذين معه، وهي “التحريض على قتل الثوار”، فقد جاءت المرافعة خالية من أي دليل ثبوتي وقطعي يدين الرئيس المخلوع بهذه التهمة، فلم تقدم النيابة على طول المرافعة وعرضها، أي أدلة يقينية تُجزِمْ بأن مبارك، أصدر أوامره لوزير الداخلية، بإطلاق النار على الثوار الأبرار, بما أدى لقتل المئات منهم وجرح المئات غيرهم، وبدلاً من الادلة، راحت النيابة تلقى باللائمة على جهاز المخابرات العامة، ووزارة الداخلية، بأنهما لم يتعاونا مع النيابة في جمع الأدلة على المتهمين.

المؤلم في قضية قتل الثوار أنها مُقدمة للمحكمة دون أن تكون مكتملة الأركان، ومفككة، وبلا أدلة دامغة، وبصريح العبارة، فهي مضمونة “البراءة”، بل ولا تحتاج حتى لمحامين كبار.. ربما بسبب “تَعجُل” وتَسرُع النيابة، بتقديم القضية للمحكمة، للخلاص منها، تحت ضغوط وإلحاح الرأي العام والمظاهرات الحاشدة التي طالبت برأس مبارك، واتهمت النيابة بالتباطؤ آنذاك في يوليو من العام الماضي.

ولعل نظرة قانونية سريعة لبنية القضية، وأوراق الدعوى، وقرار الاتهام، إنما تقطع بأن الحكم بـ”البراءة” لمبارك، هو شيء مؤكد من الناحية القانونية البحتة.. وتوضيحاً لتلك الفرضية، فإن المعلوم من القانون في الجرائم التي يتعدد مرتكبيها، أن هناك “الفاعل الأصلي” وهو المنفذ للجريمة بيديه، وهناك “الشريك” أي المحرض على ارتكاب الجريمة، وفي حالتنا هذه وبحسب قرار الاتهام وأوراق الدعوى، فإن “الشركاء” هنا هم مبارك والعادلي ومساعدوه، بأن أصدروا أوامرهم بحسب التسلسل القيادي بإطلاق النار على الثوار، أي الأمر من الرئيس للوزير وبدوره أمر مساعديه، وهؤلاء المساعدون أمروا بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين, ويكون “الفاعلون الأصليون” هنا هم الضباط والجنود القتلة في الميادين, والقناصة الذين أطلقوا الرصاصات القاتلة بأياديهم على الثائرين النبلاء، وقائدي سيارات السفارة الأمريكية التي قتلت ثواراً آخرين دهسا تحت عجلاتها.

ومن هنا فإن أكبر أوجه القصور في القضية، أننا لا نعرف حتى الآن هوية هؤلاء القناصة, ولا مَنْ هم الضباط والجنود الذين نفذوا الأوامر وقتلوا الثوار، فهؤلاء المجهولون حتى الآن هم “الفاعلون الأصليون” من وجهة نظر القانون, وغيابهم عن قفص الاتهام وأوراق الدعوة يمثل باباً واسعاً مشرعاً لبراءة “الشركاء” أو “المحرضين” الذين هم مبارك والذين معه، إذ إنه ليس منطقياً من الوجهة القانونية أن يُعاقب الشريك عن جريمة ارتكبها آخر (الفاعل الأصلي)، وبعبارة أخرى كيف يُعاقب المُحرض على القتل، بينما القاتل الفعلي نفسه حُر طليق، وغير موجود؟ ذلك أن القانون يحاسب القاتل أولاً وبأقصى العقوبة، ويرتب عليها معاقبة المحرض، بعقوبة قد تكون أقل درجة، مضافاً إلى ذلك أن وجود القاتل المنفذ (القناص أو الجندي في الميدان أو قائد السيارة الامريكية القاتلة) متهماً في القفص، من شأنه أن يثبت تهمة التحريض على الرئيس المباشر، ومن ثم ينتقل إثبات التهمة رأسياً إلى أعلى، حتى تثبت على الرئيس أو يتبين أن أوامر ضرب النار قد صدرت عن وزير الداخلية.

بالتأكيد لست أتمنى “البراءة” لمبارك، فقد عاث في مصر فساداً, وارتكب الكثير من الآثام والجرائم البشعة بحق شعبها الطيب، وخان تاريخها وقيمتها وقامتها، بأن دأب على مدار سنوات حكمه إلى تقزيم مصر وجرها للتخلف، بسياساته التى سحقت شعبها وطحنته بلا رحمة ولا شفقة، بالإفقار، والتجويع، ونشر الجهل بتخريب التعليم، والمرض، وانتهاك آدمية البشر وكرامتهم في الدواوين الحكومية، والإذلال والمهانة والتعذيب فى المقار الشرطية والأمنية والسجون، واعتقال وسجن وتعذيب الآلاف من أبناء هذا الشعب المسالم والمثابر, وغير ذلك فقد فرَّطَ في ثروات الوطن وجعلها مستباحة للسُراق، وغير ذلك خان العهد والولاء للنظام الجمهوري، ومن هنا فإن مبارك يستحق الإعدام ألف مرة، عقاباً له على كل هذه الخطايا والجرائم، التي لا تقع تحت طائلة القانون, لكننا نريد لدولة سيادة القانون أن ترسي دعائمها على قواعد صحيحة، ومن هنا، فإن حكم القانون بالنسبة لقضية قتل المتظاهرين هو البراءة، أما إذا كان الحكم المنتظر يسعى لمراعاة الرأى العام، وإرضاء الجماهير الغاضبة والمحقة في غضبتها، هنا يمكن الحكم بـ”إعدام”مبارك، ويكون حكماً “سياسياً”، وهو على كل حال لا يفيد مصر الجديدة التي نريد لها ان تقوم على سيادة القانون.

الكلمات المفتاحية: الإعدام للرئيس أم البراءة- سعيد السني