آراء ومقالات

الإصلاح السياسي.. تفاؤل حذر

أسامة الرنتيسي

كثف رئيس الوزراء المكلف الدكتور معروف البخيت جولاته خلال الأيام الماضية، حيث التقى بمعظم أطياف التيارات السياسية والنيابية والحزبية، في جولة حوار أولى لتوضيح ما سوف يقوم به عندما يباشر مهامه في سدة الرئاسة للولاية العامة في الأردن، ممثلة بموقع رئيس الوزراء.

ولم يكن ما قيل في لقاءات الرئيس شيئاًَ جديداً، لا على الرئيس المكلّف ولا على المستمعين، فقضايا الإصلاح السياسي في الأردن لم تغب يوماً عن كتاب تكليف سامٍ، ولم تغب أيضاً عن برامج أي حكومة أردنية، لكنّ مسار الإصلاح السياسي في الأردن دائماً يتأرجح بين “خطوة للأمام وأخرى للخلف”.

الأردن في حالة تمكنه من النجاح في إنجاز إصلاح سياسي بصورة متوازنة، فهو يتمتع بأوضاع جيدة من الاستقرار الأمني والوحدة الوطنية والعقلانية والنضج السياسي، ويتوفر لديه الكثير من التجارب والمؤسسات والبيئات اللازمة لنجاح الإصلاح السياسي. ولكن على الرغم مما بُذل من جهود في السنوات الأخيرة للسير قُدماً بالإصلاح السياسي، إلا أن نتائج التفاعل بين توزيعات وهياكل وآليات وقوى الحكم والتأثير في الأردن مع مجمل التطورات المحلية والإقليمية والعالمية الكثيرة، ومع إرادات القوى الشعبية.. لم تثمر حتى اليوم أي نقلة نوعية في هذا الاتجاه.

فالتعديلات الكثيرة على قوانين الانتخابات والأحزاب والاجتماعات العامة والصحافة والنقابات، ومن قبلها إقرار قوانين الإرهاب، تشكك كثيراً في جدية التوجهات نحو الإصلاح، رغم أن وزير التنمية السياسية الذي جاء من رحم اليسار الجديد المهندس موسى المعايطة جفّ حلقه وهو يؤكد “أن العام 2010 سيكون عام الإصلاح السياسي في الأردن من خلال خوض تجربة اللامركزية والمجالس المحلية التي تعد محطة مهمة من محطات الإصلاح السياسي”، فرحل الوزير ورحل العام 2010، ولم نر الإصلاح السياسي الموعود.

لكن، وفي ضوء معاني الإصلاح، وحتى نكون موضوعيين؛ هل نستطيع أن نقول إن لدينا إصلاحاً سياسياً في الأردن، أم ما نزال نتلمس طريقنا نحوه؟ يمكن القول إننا بدأنا خطوات أولية في بداية تسعينيات القرن الماضي، وسرعان ما توقفت، ثم تراجعت مسيرتنا في مختلف المجالات: الحريات العامة، الممارسة الديمقراطية، الصحافة والإعلام، العلاقة مع الأحزاب والمؤسسات الأهلية ودورها، الاقتصاد والإدارة العامة وفعاليتها، وفي الوحدة الوطنية وقيم المجتمع، وفي مستوى المعيشة، وفي علاقاتنا العربية، كما أصبحت معاهدة وادي عربة أحد نواظم الحياة العامة في مختلف المجالات، وأصبحت استحقاقاتها تتحكم بمفاصل علاقاتنا الداخلية والخارجية.

بوضوح أكثر، وخلافاً لما يعتقده البعض، فإن تحديات الأردن المستقبلية المؤثرة في جهود الإصلاح الديمقراطي، أو بلغة أبسط وأدق، معيقات عملية الإصلاح الديمقراطي في الأردن هي في الأساس تحديات ومعيقات داخلية، تنبع من داخل المجتمع الأردني وتركيبته الديمغرافية، أما العوامل الخارجية، بما فيها البعدان الإقليمي والدولي، فأثرها ثانوي مقارنةً بالعوامل الداخلية.

نحن أمام قضية مركزية عنوانها الإصلاح السياسي، وما تعنيه هذه القضية من منظومة شاملة ذات بعد سياسي وثقافي وتربوي وقانوني ودستوري، فالإصلاح السياسي لا يمكن اختزاله بخطوة في هذا الاتجاه أو ذاك، وهو مرتبط أولاً بإرادة سياسية مؤمنة إيماناً حقيقياً بالإصلاح، وثانياً بمنظومة قوانين عصرية للانتخابات وللأحزاب وللحريات العامة.

الإرادة السياسية متوفرة لتحقيق إصلاح سياسي حقيقي، وما علينا سوى المباشرة بإنجاز سلسلة من الإجراءات والقوانين التي تشكل رافعة ضرورية لإقامة مجتمع مدني، وحياة ديمقراطية؛ من أبرز إنجازاتها التخلص من قانون الصوت الواحد الذي عطّل تطور الحياة الديمقراطية، وأضعف تأثير الحركة السياسية في مجلس النواب، وصبغ بنيته بالصبغة العشائرية.

متفائلون بالرئيس المكلّف، نعم، وبالظروف التي حتّمت التغيير، وبتطورات الأوضاع عربياً وعالمياً، لكن التجارب علّمتنا أننا نخطو خطوة نحو الإصلاح ثم نعود خطوتين للوراء، ونمشي كثيراً لكن “مكانك سر”، فهل نغادر هذه المرحلة إلى رحاب أوسع من الألق الإصلاحي؟


الكلمات المفتاحية: أسامة الرنتيسي- الإصلاح السياسي.. تفاؤل حذر