آراء ومقالات

الإسلاميون بين مصر وتونس

وحيد عبد المجيد

دخل حزب الحرية والعدالة، قبل أيام، الاختبار الذى سبقه إليه حزب النهضة التونسى قبل أسابيع بالرغم من اختلاف حجم المسؤولية التى يحملها الحزبان ومداها. فالحزب الإسلامى الذى حصل على أكبر عدد من المقاعد فى مجلس الشعب المصرى مسؤول برلمانيا فقط. أما نظيره فى تونس فهو يتحمل مسؤولية أكبر بحكم توليه رئاسة الحكومة ومعظم أهم الوزارات.

ومع ذلك، فالتحديات هى نفسها تقريباً. ففى البلدين تركة ثقيلة وخراب مقيم، وعلى من يتحمل المسؤولية أن يحقق إنجازاً سريعاً تريده قطاعات واسعة فى المجتمعين لا يملك كثير منها صبراً ولا يريد بعضها ترك فرصة للعمل وإعادة البناء.

ورغم أن أياً من حزبى الحرية والعدالة والنهضة لم يحصل على أغلبية مطلقة (أكثر من ٥٠ فى المائة)، تتطلع الأنظار إلى كل منهما بانتظار ما سيحققانه، وسيُحاسب الحزبان كما لو أن لديهما أغلبية كبيرة وإمكانات غير عادية.

وهذا هو ما بدأ فى تونس بعد ثلاثة أشهر فقط على الانتخابات التى وضعت حزب النهضة فى صدارة المشهد السياسى متحالفاً مع حزبين أحدهما ليبرالى قومى والثانى يسارى، وهذا هو ما سيواجه حزب الحرية والعدالة فى مصر بعد أسابيع قليلة رغم أنه لم يتسلم السلطة التنفيذية، فهو مطالب بالقصاص للشهداء وتحقيق أهداف الثورة، وينتظر منه الملايين حلولاً سريعة لمشاكل تراكمت ببطء على مدى عقود، خصوصاً من انتخبوه. فهم يحمّلونه المسؤولية لأنهم أعطوه أصواتهم، فصارت بينهم وبينه علاقة لا يوجد مثلها مع الحكومة. أما من لم ينتخبوه فهم ينتظرون أن يروا «شطارته» فى حل المشاكل كما فى حصد الأصوات. وهذا اختبار صعب، ولكنه محض عملى يرتبط بقضايا الواقع أكثر مما يتصل بمسائل المرجعية والهوية والأيديولوجية.

فإذا كان لهذه المسائل أثرها فى صعود الحزبين المصرى والتونسى إلى صدارة المشهد السياسى، فسيكون الأداء السياسى هو المحدد الرئيسى لنتيجة الاختبار الذى يخوضه كل منهما. وربما يكتشف أصحاب نظرية أن حزب النهضة أكثر تقدما من حزب الحرية والعدالة أنه لا أثر لما يظنونه فروقا بينهما فى أدائهما الذى سيُحاسبان على أساسه. وقد يقر بعضهم على الأقل بعدم دقة الافتراض القائل إن حزب النهضة أكثر تقدما أو أنه أمضى شوطاً أبعد باتجاه التكيف مع الحداثة السياسية والمجتمعية مقارنة بحزب الحرية والعدالة.

فالحزبان ينتميان إلى المدرسة نفسها «الإخوان المسلمين»، حتى إذا كان الحزب المصرى موجوداً فى قلبها، بينما خرج الحزب التونسى من أحد روافدها، ولذلك فالفرق هو بين المجتمعين أكثر منه بين الحزبين. فالمجتمع التونسى أكثر انفتاحا على المستويين الاجتماعى والثقافى مقارنة بالمجتمع المصرى الذى تسوده نزعة محافظة أخذت فى التنامى منذ سبعينيات القرن الماضى بفعل عوامل التغير الاجتماعى الذى ترتب على سياسات سلطة حاكمة وليس على حركة قوى معارضة.

فعلى سبيل المثال، أخذ حجاب الرأس فى الانتشار منذ بداية السبعينيات حين كان «الإخوان المسلمون» معتقلين أو خارجين لتوهم من وراء الأسوار. وكانت الهجرة من الأرياف، حيث تغطى النساء عموما رؤوسهن كتقليد اجتماعى، هى العامل الرئيسى وراء انتشار الحجاب وتقاليد أخرى محافظة اجتماعيا قبل أن تغدو تعبيراً عن شكل إسلامى.

ولو أن حزب النهضة وزعيمه راشد الغنوشى يعملان فى أجواء محافظة كتلك التى تسود المجتمع المصرى، لما اختلفا عن حزب الحرية والعدالة، والعكس صحيح أيضا. ولكن المجتمعين المختلفين فى تونس ومصر يطرحان على الحزبين التحديات نفسها تقريباً ويضعانهما فى اختبارين متشابهين إلى أبعد الحدود. فمطلوب من كل منهما أن يظهر براعة فى حمل التركة الثقيلة مثلما حدث فى إدارة الحملة الانتخابية، وأن يفعل ذلك بصورة فورية وبدون مهلة ووسط فيض من الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات والمظاهرات وقطع الطرق وتعطيل العمل.

لم يحصل حزب النهضة على فترة الهدوء المحدودة التى ناشد الشعب أن يمنحه إياها، ولم تمض ثلاثة أشهر على الانتخابات حتى بدأ التململ فى المجتمع لأن شيئاً لم يتغير أو لاستمرار تدنى الأحوال المعيشية والأمنية، وسيواجه حزب الحرية والعدالة موقفا مشابها بعد أسابيع رغم أنه لا يحكم ولم يشكل حكومة. وربما تكون مشكلته أكثر تعقيداً. ففضلاً عن أنه لا يملك السلطة التنفيذية، هناك مطالب بسرعة تسليمها تمثل ضغطاً إضافيا عليه.

ومع ذلك فعلى خصومه ألاَّ يبتهجوا إذا حدث ذلك، وهو مرجح الحدوث، لأن استمرار الاضطراب فى بلد لم يتعود على الهزات العنيفة والصدامات المستمرة قد يسفر عن وضع لا يستطيع أحد التحكم فيه مستقبلاً.

نقلا عن (المصري اليوم)

الكلمات المفتاحية: الإسلاميون بين مصر وتونس- وحيد عبد المجيد