آراء ومقالات

الإخوان والتلوّن السياسي

أسامة الرنتيسي

 

الإفراز الرئيسي لثورات الربيع العربي أظهر بوضوح الحالة الحقيقية التي تتمتع بها وتعيشها جماعة الإخوان المسلمين، وأنها فعلاً قادرة على إحداث التغيير في بنيانها وهياكلها. وخير معبّر عن هذا التغيير شباب الإخوان المسلمين في مصر، والذين يطمحون إلى إحلال مفهوم “الفهم والطاعة” بدل “السمع والطاعة”، كما يحلمون بأن تكون للنساء داخل الجماعة المشاركة الكاملة في اتخاذ القرار.

التغيير في بنيان الإخوان تحدثت عنه أيضاً إحدى الوثائق الدبلوماسية الأميركية السرية، التي حصلت عليها من موقع “ويكيليكس”، ونشرتها صحيفة “المصري اليوم” في 24 حزيران (يونيو) الماضي، حيث نقلت عن عضو سابق في جماعة الإخوان المسلمين في مصر هو إبراهيم الهضيبي (حفيد حسن الهضيبي ومأمون الهضيبي المرشدَين العامَّين السابقَين للإخوان في مرحلتين مختلفتين)، قوله لوفد أميركي: إن “الإخوان جماعة ذات قاعدة عريضة، وينبغي عدم النظر إليها باعتبارها قوة سياسية متماسكة”، متوقعاً أن تنقسم إلى خمسة أحزاب في حال السماح لها بالمشاركة السياسية الكاملة.

لكن المفارقة اللافتة هي أن بعض قادة الجماعة يعتبرون مثل هذه المطالبات بمثابة مشكلة تواجهها الجماعة وهي تدخل مرحلة جديدة في تاريخها الطويل، حيث لم تعرف طوال تاريخها خلافات داخلية كبيرة وواضحة، كما لم يكن معظم قادتها يتصورون أن يأتي يوم ينتقدهم أعضاء فيها، وأن يكونوا شباباً في مقتبل العمر. فتنظيم الجماعة مبني على أساس من المركزية الصارمة والهرمية الشديدة، ولذلك فإن قادتها لم يألفوا الخلاف والنقد والنقاش الحر المفتوح.

لا ينكر أحد أن جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر القوة التي حصدت أكبر المكاسب من الثورة المصرية، حيث بدا قادتها بعد الثورة وكأنهم “حكومة ظل”، يلتقون قادة الوفود الزائرة لمصر، بعدما كانوا على قوائم الممنوعين من السفر، فضلاً عن افتتاحهم بشكل شبه يومي مقرات جديدة في المحافظات، ووصل نشاطهم إلى داخل الأحياء الفقيرة والمهمشة من خلال لجان لتوزيع المواد الغذائية، وللكشف الطبي المجاني.. إلخ.

لكن نعمة الحرية التي تعيشها الجماعة لم تمر من دون ضريبة تدفع، فبعد عاصفة من الانتقادات تعرضت لها بشأن موقفها المؤيد للتعديلات الدستورية في استفتاء آذار (مارس) الماضي، هاهي عواصف الخلافات والانقسامات الداخلية تهب على الجماعة أيضاً، والتي بدأت بتحدي القيادي البارز د.عبدالمنعم أبو الفتوح لقرار الجماعة بعدم المنافسة على رئاسة الجمهورية في الانتخابات المتوقعة نهاية العام الحالي، وإعلان المئات من كوادر الجماعة في المحافظات تأييدهم له، وتحملهم تبعات موقفهم هذا.

ما يقع لإخوان مصر ينسحب تلقائياً على الجماعة في الدول الأخرى، وما تسرب خلال الأيام الماضية من معلومات حول لقاءات بين قيادات من الإخوان المسلمين في الأردن وسورية، عقدت في عمان لكلٍ على حدة مع شخصيات أميركية كانت في زيارة رسمية للأردن، يؤكد -إن صحّتْ هذه المعلومات، وهي برسم التأكيد أو النفي من قيادات الإخوان في الأردن- وجود مرحلة جديدة من العلاقة بين الأميركان والإسلام السياسي “المعتدل”.

المعلومات تشير إلى أن المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية المهندس محمد رياض الشقفة عقد لقاءات مع شخصيات أميركية في عمّان قبل مغادرته إلى تركيا، حيث كان لأنقرة دور رئيسي في تنظيم هذه اللقاءات، وهي التي نصحت القيادة السورية عبر مبعوث رسمي بأن تسمح دمشق للشقفة بالعودة إلى بلاده لإجراء حوار مباشر مع السلطة السياسية في سورية، وقيل إنها رفضت العرض التركي، وسمعت عتباً ونقداً أميركياً على ذلك.

لكن المراقب العام السوري أكد أن الإخوان “يرفضون الحوار مع الحكومة في دمشق لأن دعوتها للحوار قد تجاوزتها الأحداث”، واصفاً تلك الدعوة بأنها “لكسب الوقت وللدعاية الإعلامية”. وفي حديث مع “راديو سوا” الأميركي، أضاف الشقفة: “كل أطياف المعارضة السورية ترفض دعوات الحكومة السورية للحوار، لأن دمشق لا تجيد سوى التحاور بالأسلحة”، إلا أنه رحّب بالحوار مع الولايات المتحدة والغرب عموماً.

الكلمات المفتاحية: الإخوان والتلوّن السياسي