فن وثقافة

ابراهيم الكوني: مشكلة عالمنا العربي أنه لا يفهم قوانين الأشياء

عين نيوز- رصد/

في خضم الأحداث المتلاحقة التي تشهدها دول المنطقة العربية تتوجه الأنظار إلى المفكرين والكتاب والى الدور الذي يمكن أن يلعبوه في هذه الأحداث، حول دور الأديب في ذلك حاورت دويتشه فيله الكاتب الليبي ابراهيم الكوني

دويتشه فيله: هل يمكن أن تصف لنا مشاعرك في أجيج الأحداث الليبية الراهنة؟

ابراهيم الكوني : ماذا أقول؟ مشاعري هي  كمشاعر أي إنسان أخلاقي في هذا العالم. إذا كان كل الناس يتعاطفون ويحزنون بسقوط  قتلى، لا سيما إذا كانوا عزلا وأبرياء، فكيف بالمبدع؟ وكيف بالإنسان الذي حمل هم هذا الوطن منذ بداية تكوينه الفكري والثقافي. المبدع الحقيقي لا يضع نصب عينيه الأحداث الثائرة. ليس من مهمة المبدع رصد الحدث اليومي العابر، لكن عندما يبلغ الأمر حد القتل لمجرد أن إنسانا آخر يريد أن يجاهر برأيه، يريد أن يخالفنا الرأي أو أن يعارض؟ لأني أقول إن المخالفة في الرأي ليست معارضة، والمعارضة ليست عداوة لأننا بالجدل نحيا، والحقيقة تولد في النقاش أو في الخلاف، هذه مسلمات.

لكن ما يهم الروائي بالذات بطبيعة الحال هو ظل الأحداث، ما معنى ظلال الأحداث؟ وليام فولكنر يقول، نحن لا نكتب عن الأشياء، لكننا نكتب عن ظلال الأشياء. ما معنى ظلال الأشياء؟ ظلال الأشياء هي روح الأشياء، وروح الأشياء ليست الحدث في حد ذاته، لكنها في الرمز الذي يمثله هذا الحدث، وفي أمثولة الحدث، ولذا يظن الكثيرون أن المبدع يجب أن يكون بوقا لليومي، للسياسة، لا، المبدع هو أول مخلوق في العالم يلغي السياسة، أو يعادي السياسة، لأن السياسة مبدأ لا أخلاقي، لماذا ؟ لأن السياسة هي ضرب من الإيديولوجيا، والإيديولوجيا سعي بيد السلطة، والسلطة ملكية، وخطيئتها تكمن في مبدأ الملكية، لذلك هي في نهاية المطاف عدوان على سلطة الرب، لأنها استعارة لسلطة الرب على هذا الوجود. وأعتقد أن الرب الذي لا يشرك في نفسه أحدا لن يسمح بأن يستعير صلاحياته أحد.

” إن ما نستنكره هو سقوط قتلى عزل وقتلى رأي”

الانفعال وحده لا يكفي، لأن الانفعال لحظة عابرة، لكن ما يبقى من الحدث الذي يؤدي إلى الانفعال مع الأحداث هو رمزيته أو وروحه أو جوهره الذي يتعامل معه المبدع في العادة، سواء كان روائيا أو شاعرا أو كاتب دراما، لذا نجد أن جل الروائيين في العالم وجل ذوي الإبداع الحقيقي يقفون موقف المتفرج في كثير من الأحيان على الحدث اليومي، لأنهم كالآلهة يراقبون، ليستوعبوا الدرس، ليستوعبوا الوصية التي تنبثق عن هذا الحدث العابر، مهما كان دراميا ومهما كان دمويا، لكن هذا لا يعني سكوتا، المبدع يستطيع أن يغير بصوته إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، أن يجاهر بصوته، وهذا ما فعلته منذ أول يوم اندلعت فيه هذه الأحداث ومنذ أول يوم سقط فيه قتلى عزل، إن ما نستنكره هو سقوط قتلى عزل وقتلى رأي.

عندما ننزع رأي الآخر ننزع هوية الإنسان”

عندما يتظاهر إنسان لا يعادي، يريد أن يقول إنني أنا أيضا موجود، هذه إرادة حضور في الوجود، بمعنى أنه يريد أن يعبر عن أبسط شرط  لوجود الإنسان على الأرض، وهو حرية أن أقول، حرية أن أعبر، ونحن نعرف أن الوجود هو قول، الوجود هو لغة، اللوغوس هو الإنسان، أعتقد أن هذه مسلمات منذ بدء التكوين، ولذلك عندما نحاول أن ننزع رأي الآخر نحن لا ننزع اللسان فقط، إنما ننزع هوية الإنسان كإنسان، لذلك لا يجد المبدع نفسه إلا أن ينتظر حتى تصل إلى هذا الإنسان الذي يريد أن يثبت ويبرهن للعالم على حضوره في الوجود. وبدلا من أن نستمع إليه أو نحاوره، نعاقبه بالعنف. أعتقد أن نسمة الإبداع تخلو هنا بالذات لأن الإبداع غير معني بما يُرى، كما يقول القديس بولص، لكنه معني بما لا يُرى، لأن الأشياء التي ترى وقتية، أما الأشياء التي لا ترى فهي أبدية.

إن في هذا موقفا فلسفيا، هل تعتقد أن الشباب الطامح والجماهير الثائرة قادرة أن تفهم موقفا من هذا النوع؟ أم تجد فيه شيئا من السلبية، ولا تفهم الأديب إذا قبع في ظل الأحداث  وتريث حتى تنضج ليكتب عنها، مع أنه هو الذي يملك القوة والقدرة على قول كلمات تجلب التغيير؟

“مشكلة عالمنا العربي أنه لا يفهم قوانين الأشياء”

يجب أن لا ينتظروا مني أن أقف على المنصة وأن أخطب في الجماهير، لا أستطيع هذا ولا أحسن ذلك أساسا. لقد تحدثت عن موقفين للمبدع، موقف الإبداع الذي هو وظيفته، ويقال إن قيمة الإنسان بما يحسن، وما يحسنه الروائي لا يحسنه السياسي ، الخطاب المباشر ليس من شأن الإنسان المتأمل، إنما من شأن الإنسان الذي يمارس السياسة، لكن هناك استثناءات، فالأمر يختلف عندما يبلغ الأمر حد مواجهة إنسان يجاهر برأيه بالرصاص، ولكن في كل الأحوال لا يعني أن المبدع الحقيقي هو بوق الحياة اليومي، والمبدعون يختلفون، هل هو كاتب سياسي، هل هو مفكر سياسي هل هو إيديولوجي، عندئذ يكون هذا من شأنه، لكن مهمة المبدع هي التأمل، تأمل الحياة، لأننا نحن لا نتعامل بالأحداث، نحن نتعامل بالنماذج، وتحويل هذه النماذج إلى رموز. هذه قوانين الإبداع، هذه قوانين الأدب، لست أنا الذي خلقها، إنما الذي خلقها تجربة الإبداع الروائي والإبداع عموما، الشعري والدرامي منذ هوميروس ومنذ جلجامش وإلى هذا اليوم.

“لا أدب بلا فلسفة، لا إبداع بلا رؤية”

هل كتب هوميروس الإلياذة وهو في خضم الأحداث؟ كتبها بعد ألف سنة، هل كُتبت جلجامش كحدث سياسي أو دنيوي؟ أم واقعي؟ أنا أوردت الآن استثناء قد لا يوافق عليه الروائيون ولا الفلاسفة لأن الأدب الحقيقي هو فلسفة، إنه ليس عملا تأمليا فقط، لكنه عمل فلسفي بكل معنى الكلمة، لا أدب بلا فلسفة، لا إبداع بلا رؤية، والرؤية هي كالنبوة، ليست وليدة حدث، إنما وليدة حركة تاريخية طويلة الأمد، زمانية، نحن يجب أن نعطي لله ما لله ولقيصر ما لقيصر، السياسي يحسن عمل السياسة، والروائي يحسن عمل الرواية، هل تطلب من هذا أن ينتزع صلاحيات ذاك؟ أم أن ينتزع ذاك صلاحيات هذا؟

مشكلة عالمنا العربي أنه لا يفهم قوانين الأشياء، نمارس الإبداع ولا نفهم قوانين الإبداع،  نمارس الرواية ولا نفهم قوانين الرواية، نمارس السياسة ولا نفهم قوانين السياسة، أقصد أن لكل إنسان عمله ولكل عمل قوانينه.

هل يفهم من كلامكم أنكم تخططون بعد المراقبة الطويلة وبعد أن تتخمر الأحداث وتطلع بنتيجة ما لعكس هذه الأحداث في قالب رواية؟

“مأساتنا أننا نحكم على الأشياء بدون أن نقرأ”

بطبيعة الحال، نحن لا نقف مراقبين، إنما نعيش هذه الأحداث بدمنا وروحنا، المحارب يحارب، المتظاهر يتظاهر، السياسي يمارس السياسة، أو الخطاب السياسي، المبدع يمارس الخطاب الإستعاري، ما معنى الإستعاري؟ هو الخطاب الذي يعاني من  الأحداث الذي يعيشها بقلبه، أي هو أكثر إنسان يشارك، أنا أشعر أنا الذي أصاب بالرصاص، أنا الذي يدمى، وإلا لن أفلح في كتابة رواية عن هذه الأحداث، و باعتراف الأوروبيين والنقاد الأمريكان لا أحد أدان السلطة الأحادية  أو السلطة كخطيئة ، السلطة في أبشع معانيها كما أدنتها في أعمالي الروائية ، إذا كان هناك أحد يقرأ. مأساتنا أننا نحكم على الأشياء بدون أن نقرأ، يحكون على مبدع دون أن يقرؤوا له، ولهذا لكي أعبر عما يحدث اليوم يجب أن نبدأ من الأسباب، مهمة المؤرخ أن يتحدث عن النتيجة، مهمة الروائي أن يتحدث عن الأسباب.

“هذه الثورات إذا لم تتحول إلى ثورات روحية فلا جدوى”

أين أسباب ماحدث الآن في العالم العربي؟ وفي ليبيا خصوصا؟ أي شرارة، أين الجذر الرمزي،؟ السبب  الرمزي هو يقينا البوعزيزي، نموذج شهيد اسمه محمد البوعزيزي، الملحمة عندما تكتب على ما حدث في العالم العربي في الشهرين الأخيرين لابد أن تبدأ من هناك. ومن محاسن الصدف أن يكون هذا الإنسان إنسانا صحراويا في واقع الأمر، وهو من قبيلة تسكن بجنوب تونس، ومن محاسن الصدف الأخرى أنه عندما ولد كان أبوه يعمل في ليبيا، إذاً لدينا مادة درامية لرواية عظيمة، ممكن أن تعبر عن كل الزلازل التي ضربت العالم العربي في الأشهر الثلاثة الأخيرة، هذا عمل الروائي، هذه هي رسالة المبدع الذي يخفي، لا رسالة المفكر الذي يُظهر . المفكر هنا أقصد به الخطاب السياسي . نحن مع الخطاب السياسي أو الخطاب المباشر في تضاد. هذه قوانين معقدة جدا، لكن الناس مع الأسف يحكمون في ظاهر الأشياء

لقد قلت مؤخرا في إحدى الفضائيات ان هذه الثورات في العالم العربي إذا لم تتحول إلى ثورات روحية فلا جدوى، فسوف نبدأ من جديد من نقطة الصفر، ثورات روحية بمعنى أن تكون ثورات شمولية لابد أن تمس الروح، لأن الروح هي التي تخلق العالم ، الحقيقة في الروح.

ذكرتم في مقابلات سابقة أجريت معكم أنكم كنتم تخاطرون في زيارة الوطن لأن شهرتكم كانت تشكل لكم نوعا من الحصانة، لكن ماذا عن الأدباء المغمورين في ليبيا؟

“كنت أمشي في حقل من الألغام”

الحصانة لا تحققها السمعة الدولية إنما تحققها الإرادة،الإيمان بقضية، أنا إنسان كنت دائما مؤمنا بقضيتي، مؤمن برسالتي، وهي رسالة رد الاعتبار الثقافي إلى بلدي ليبيا، وأعتقد أن العالم شهد لي بذلك، وإذا تمكنت من فعل ذلك، فذلك بفضل نضال طويل ومستميت ودموي . أنا عشت في بلدان كثيرة، والآن أعيش منذ عشرين عاما في غرب أوروبا. خلال هذه التجربة اعتقد الناس أن طريقي كانت مزروعة بالورود، لكن كنت أمشي في حقل من الألغام،  لذا أعتقد أن مسألة الشهرة أو عدمها  ليست هي المسألة الحاسمة، لا بالنسبة لي ولا إلى أي كاتب آخر إنما الاقتناع أو قناعة المبدع  برسالته.

“الإنسان المقتنع برسالته هو الذي يستطيع أن يحقق الخلاص”

لابد من روح رسالية،  الروح الرسالية ليست إيديولوجيا. المأساة أن الإيديولوجيا هي التي تقتل الأدب، الإيديولوجيا هي المجرم، الإيديولوجيا هي التي تؤدي إلى تأليه السلطة،  لذلك أقول دائما إن الروح الرسالية  قادرة على أن تطهر العالم،  وقادرة على أن تخلق المعجزات، والإنسان المقتنع برسالته، والإنسان الذي يؤمن بأن ما يفعله حقيقة، هو الذي يستطيع أن يحقق الخلاص، كما حققه محمد البوعزيزي. هذا الإنسان البسيط وفي ذات الوقت العظيم، لأنه آمن برسالته، لأنه آمن بأنه على حق، لأنه انتصر لكبرياء الإنسان.

لقد ثأر البو عزيزي بمبدأ إلهي”

الإنسان ليس له ذنب فقط في هذا الوجود، لكن الإنسان مؤله، لأن فيه روح الله، لذلك يجب أن لا يهان الإنسان. لقد ثأر البوعزيزي بمبدأ إلهي، لهذا فهو خالد لذلك توضع له الان نصب تذكارية في كل مكان من العالم. لهذا السبب بالذات، سبب الروح الرسالية، لأنه نبي على طريقته، لماذا الأنبياء خالدون؟ ليس لأنهم حملوا صليبهم على ظهورهم فقط، لكن لسبب هذا الإيمان برسالتهم.

أجرت الحوار منى صالح

الكلمات المفتاحية: ابداع- ابراهيم الكوني- الثورات- الروائي- الشهرة- القوانين