آراء ومقالات

إصلاح المنظومة الأمنية وإعادة ترسيم دورها!!

 

رنا الصباغ

برزت أخيرا دعوات نخبوية وشعبية وأصوات من داخل “السيستم” إلى إصلاح المنظومة الأمنية وإعادتها إلى مربعها الطبيعي, بعد سنوات على تمدد نفوذها, وتشعبه في تفاصيل المشهد السياسي العام, على غرار سائر الدول العربية ذات الأنظمة الأوتوقراطية.

فمسيرة التحديث الشامل ستصطدم بمطبّات تداخل الأمني بالسياسي إن لم يتم إعادة تعريف أدوار المنظومة الأمنية وإخضاعها لمظلة حكومية, برلمانية وقضائية, لكن من دون أن تمس عملية التطوير الهدف الأسمى; حماية الأمن الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية, ضمان أمن المواطن وتثبيت الاستقرار ومنجزات المملكة لتعزيز مسيرة التنمية والتحديث على نحو يحفظ مصالح العرش والشعب.

في الأسابيع الأخيرة تكسرت تابوهات حيال التعاطي مع المنظومة الأمنية, وإن كان “رجال الظل” القائمون عليها لا يتصرفون بمحض إرادتهم أو يقررون لوحدهم بل يتماشون مع المرجعيات بحكم الهرم السياسي القائم في الدولة. وتعالت بجرأة أصوات مؤثرة حول ضرورة تلازم جميع مسارات الإصلاح; السياسي, الاقتصادي والأمني- ذلك أن سنوات توغل الأمني على السياسي لم تعد تجلب الأمن والاستقرار المطلوب أو ترسخ مفهوم دولة المواطنة, العدالة, الكرامة والحاكمية الراشدة في القرن الواحد والعشرين. بل ساهمت في تفكيك المجتمع وتقسيم المواطنين إلى “موالاة ومعارضة”, وخلق ردة فعل عكسية تجاه السلطة ما أضعف الانصهار الوطني بين مكونات المجتمع. كذلك ساهم التدخل الأمني في تحجيم الدستور وتفريغ القوانين من مضامينها, تهميش القضاء المدني وإضعاف الحركات السياسية إلى جانب السيطرة على عقل المواطن عبر التحكم بالإعلام الرسمي والخاص, وبالتالي هيمنة ثقافة الخوف. في المحصلة, أفرزت هذه المعادلة المقلوبة خرابا أخلاقيا ونفسانيا وانهيارا للقيم بعد تهميش الدور الرقابي والسياسي لمجلس الأمّة عبر جراحات التدخل والتزوير خلال العقد الماضي.

 

آخر دعوات التغيير جاءت ضمن وثيقة الإصلاح السياسي (الديباجة) التي سلّمتها لجنة الحوار الوطني برئاسة رئيس مجلس الأعيان طاهر المصري وعضوية شخصيات تمثل ألوان الطيف السياسي والمجتمعي. طالب ذلك التقرير “باعتماد المنظور الإصلاحي-التنموي في إدارة الحياة السياسية والشأن العام, وليس المنظور الأمني المباشر”. ورأت اللجنة أن حماية انجازات الأجهزة الأمنية الوطنية وتعزيز احترافها المهني يقضي بتحديد عملها وضبطه ضمن الواجبات الأمنية والمهنية. يندرج ضمن ذلك عدم التدخل فيما يمس الحريات العامة والسياسية, تقنين الموافقات الأمنية المسبقة وشهادات حسن السلوك التي تعود لأسباب سياسية, صون استقلالية الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات من التدخلات الأمنية بصورة قطعية ونهائية”.

 

أعضاء في لجنة صياغة الديباجة يرون أن هذه المطالب مثّلت أقصى ما يمكن تمريره بسبب هيمنه التيار المحافظ على اللجنة مع أنه فشل في تخفيف نبرة المطالبات.

 

تلتقي طروحات هذه اللجنة مع أدبيات الهيئة التأسيسية للجبهة الوطنية للإصلاح بمشاركة ثمانية أحزاب غالبيتها لم تمثّل بلجنة الحوار الوطني وأيضا عشرات الشخصيات السياسية والنقابية. تلك الجبهة أشهرت قبل أسابيع بمبادرة من رئيس وزراء أسبق أحمد عبيدات, الذي تربع على سدة دائرة المخابرات العامة مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وهو عضو في مجلس الأعيان ورئيس مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان سابقا.

 

من جملة مطالب هذه الجبهة إصلاح المؤسسة الأمنية بجميع أجهزتها وإلغاء الصلاحيات الاستثنائية التي “منحت لها أو منحتها لنفسها” فضلا عن وقف تدخلها في الشأن العام من دون أي سند قانوني. كما تطالب بتوفير ضمانات قانونية لمساءلة منتسبيها فيما إذا ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان والحريات العامة.

قبل ذلك شجّع رئيس الديوان الملكي د. خالد الكركي, رئيس الجامعة الأردنية السابق, الملك عبد الله الثاني على التصريح بأن زمن تدخل الأجهزة الأمنية في حرم المؤسسات التعليمية انتهى, وذلك بعد لقائه مع طلبة جامعات.

إذا, تلتقي جهّات عدة في الطلب بإعادة هيكلة دور المؤسسة الأمنية, بحيث يقتصر – مشكورة- على حماية الأمن الوطني — المفهوم الذي حمل تفسيرات مطاطية في غالبية الدول العربية قبل أن يتحول إلى مطلب رئيسي في المجتمعات العربية التي تجتاحها رياح التغيير.

لا يختلف اثنان بأن الأجهزة الأمنية تمد أذرعها على حساب غيرها من المؤسسات منذ بدايات صراع الملك الراحل الحسين بن طلال مع المرض منتصف التسعينيات, حين قاد الدائرة الجنرال سميح البطيخي, الذي أشرف على عملية نقل ولاية العرش إلى الملك عبد الله الثاني قبل أن يتعاظم نفوذها مع بدء الحملة العالمية على الإرهاب. قبل سنوات, تجلّت حدود قدرتها على استقطاب المشهد الداخلي عندما دبّت الخلافات في السياسات والرؤى بين مفصلين داخل مراكز صنع القرار; قبل أن يتدخل الملك ليقيل الشخصيتين ويأمر بأن تركّز المخابرات على مهامها الأمنية. خلال السنوات الثلاث الماضية, تغيّر تكتيك التدخل في الشأن العام ليصبح أكثر “نعومة”, لكن دورها الاستراتيجي ورؤيتها لم تتغير كثيرا حسبما يؤشر إليه الحراك في كل أزمة مفصلية واجهت البلاد منذ .2007 فما تزال للجهاز رؤية تقليدية قوية في المشهد السياسي وبإمكانه أن يفرمل أي قرار استراتيجي.

 

بدايات أجهزة حماية الوطن كانت أمنية وسياسية بحت حينما وقع الأردن في عين العاصفة, عقب اغتيال الشهيد المؤسس عبد الله الأول في تموز/ يوليو .1951 في تلك الأيام أنشئت المباحث العامة ليرتبط عملها مع إدارة الأمن العام. وفي عام ,1964 أسست دائرة المخابرات العامة وصدر قانون ينظم عملها, مع فك ارتباطها بالأمن العام والقوات المسلحة, لتلحق “مباشرة” برئيس الوزراء, أي صاحب الولاية العامة أمام الملك والشعب من خلال مجلس النواب. في بنده الثالث, يشير القانون إلى أن المخابرات العامة تضم “دائرة المباحث العامة, مكتب التحقيقات السياسية وعدد من الضباط وضباط الصف والأفراد والأعضاء حسب الحاجة”. ينص القانون أيضا على أن منتسبي الدائرة يخضعون للمساءلة أمام محكمة أمن الدولة في حال ارتكبوا مخالفات تدخل ضمن اختصاصها, بموجب قانونها الصادر عام .1959 في مادته الثامنة, ينص القانون: “تقوم دائرة المخابرات العامة بالمهام والعمليات الاستخبارية في سبيل أمن المملكة الاردنية الهاشمية وسلامتها وبالأعمال والمهام التي يكلفها بها رئيس الوزراء بأوامر خطية. وتحمل هذه الأعمال والمهام طابع السرية وعلى قوات الأمن أن تساعد هذه الدائرة في ادائها لمهامها.

على أن مرجعيات الدائرة وأذرعها تداخلت مع غالبية مفاصل الدولة في العقدين الأخيرين.

اتفق مع الأصوات المطالبة بإعادة تعريف دور الأجهزة الأمنية لحصر دورها بالمسؤوليات الأمنية الأساسية وجمع المعلومات والحقائق حيال القضايا التي تشكل تهديدا للأمن الوطني أو تطال العرش. فلا بد من توطيد التعاون والتكامل بين مؤسسات الدولة وأجهزتها بدل استمرار التنافس المغلّف بحركات من قوى مؤثرة هنا وهناك تنم عن لا أبالية وتمس هيبة الدولة وصدقيتها. لكن يفضّل أن يتم ذلك في إطار إصلاحي متكامل لإعادة تعريف صلاحيات مؤسسات الدولة والتوافق على منظومة القوانين الناظمة للحياة السياسية; بدءا بالسلطة التنفيذية صاحبة الولاية العامة, مرورا بمجلس الأمّة وانتهاء بالسلطة القضائية- ما سيساعد القوى الإصلاحية على تحقيق توجهاتها.

لكن ذلك لا يجب أن يؤثر على جوهر المنظومة الأمنية, المشهود لها دوليا بالاحتراف والمهنية العالية. ومن مصلحة الجميع, بمن فيهم دعاة الإصلاح, بقاء الجهاز الأمني وأن يمارس دوره الحيوي ضمن مؤسسات الدولة, بعد اختراق الجدران وتقديمها إلى صانع القرار وغيره من مستهلكي المعلومات الاستخبارية.

ويجب للتمييز بين مفاهيم تقليم أظافر الأجهزة الأمنية وبين تحديد دورها وفق آلية واضحة تخدم في المحصلة النهائية الأمن الوطن. فلا يوجد دولة في العالم, بما فيها الديمقراطيات مثل الولايات المتحدة, تعمل على وضع المؤسسة الأمنية في المربع الأمني فقط. لكن هناك أسسا واضحة لضبط عملها ومراقبة الأداء. ويؤمل في اجتراح أسلوب عمل جديد ضمن منظومة متكاملة متفق عليها تحقق هدف تحديث الدولة, لا أن تكون مجرد رزمة محددة تستهدف إصلاح مؤسسة بعينها وترك مؤسسات أخرى. تقليص تدخل المنظومة الأمنية في مفاصل الدولة لا يعني وقفها عن جمع المعلومات. فمن يضمن عدم وجود حزب سياسي أو أكثر يشكّلون امتدادا لدولة أجنبية داخل الجسم الأردني ويسعون لتغليب مصالحها على المصلحة الوطنية. ومن سيضمن بأن لا تقوم دول وقوى إقليمية بتمويل حملات انتخابية لمصلحة جهات أو أحزاب محددة كما حدث في العهود السابقة.

نعم, ستخسر مكونات الدولة الرسمية والشعبية أكثر مما ستستفيد في حال تم تحديد دور المؤسسة الأمنية من دون فض التداخل بين السلطات الثلاث وقطاع الإعلام وإصلاح الخلل في هيكلية الهرم السياسي.

لنوقف الجدال حول أولية البيضة أو الدجاجة. فالأمور لا تتغير بكبسة زر. ولننظر إلى المشهد الكلّي للغابة وإلى ما نرغب أن يكون شكل لأردن المستقبل.

لكن لا بد من بداية الطريق على نحو صحيح, آمن ومتدرج.

الكلمات المفتاحية: اصلاح- الاردن- المنظومة- رنا الصباغ- مقالة