آراء ومقالات

إشغال لبنان والعرب عن فلسطين .. بالفتن

سليمان تقي الدين

 

 # سليمان تقي الدين

سليمان تقي الدين
سليمان تقي الدين

أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن بدء المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين في منتصف هذا الشهر. جاء هذا الإعلان استجابة لمطلب الرئيس الأميركي أوباما وبإلحاح مصري، وضغوط مورست على الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. ومع ذلك يصر نتنياهو على عدم تقديم أي تنازل شكلي كتمديد قرار تجميد الاستيطان الذي ينتهي في أيلول. يتذرّع نتنياهو بأن أي تنازل مسبق يساهم في تفكيك حكومته وتصاعد معارضته من قوى اليمين.

لكن محمود عباس يتهيّب الموقف أكثر من أي وقت مضى. ليس هناك على الجهة الإسرائيلية ما يوحي بإمكان القبول بتسوية تراعي بعض الحقوق الأساسية. تتحدث المصادر المصرية عن تعهدات وضمانات أميركية لكنها لا تعدو كونها تكراراً لشعار الدولتين من دون تحديد لمقوّمات دولة فلسطين. وفي الأوساط الأردنية الكثير من الحديث عن عودة البحث في الخيار الأردني ولو بتفصيل جديد. فالدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، فاقدة لمقوّمات السيادة، مخترقة بالمستوطنات والكثير من القيود، لا تُعدّ دولة قابلة للحياة إلا إذا… ارتبطت باتحاد فيدرالي مع دولة مجاورة.

وفي بعض التبرير لإبقاء الحصار على «غزة» أن تظل خارج القرار الوطني الفلسطيني الموحّد حتى إنجاز هذا الحل التصفوي. وإذا كان هذا الحل يحتاج إلى حرب تدميرية جديدة على «غزة» فإسرائيل جاهزة لدفع كلفتها ونظام «الاعتدال» العربي جاهز لهضمها تحت عنوان القضاء على التطرف والاختراق الإيراني. وفي مكان ما من توقيت تسريب المعلومات عن القرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان وتوجيه الاتهام إلى «حزب الله» هناك خطة واحدة لشلّ فعالية قوى الاعتراض العربي ومحاصرتها.

استخدم الأميركيون لبنان ساحة رخوة لاستقطاب الاهتمام العربي في كل مرة أرادوا تمرير خطة لتصفية قضية فلسطين. لبنان هو المنبر العربي الوحيد الذي يجيّش بخطاب الرفض العربي. ولبنان الآن فيه قوى مسموعة الاعتراض بحكم تجربتها وما رسمته من خيار فعلي للمقاومة.

ليس عبثاً أن الاستهداف السياسي يتجه الآن لمحاصرة المقاومة وعزلها وإسقاط هيبتها ومصداقيتها، فهي إما أن ترضخ لشكل من أشكال الحصار، وإما أن تتورّط في مواجهة تخرجها عن مسارها وتغرقها في وحول النزاعات الأهلية والمذهبية، وتضعها في موقع الاشتباه لدى جمهورها العربي. بل إن هذا المشهد المطلوب يستدرج العرب إلى أشكال من التدخل في النزاعات اللبنانية ويفرض في لحظة ما التورط في فك الاشتباك لإنقاذ لبنان والانشغال عن فلسطين وغير فلسطين.

المسألة الآن بهذا البُعد وبهذا الحجم وترك الساحة اللبنانية تتفاعل تحت تأثير صاعق التفجير الذي أشيع عن قرار المحكمة هو بهذا المستوى من الخطورة على الوضع الإقليمي.

لم يظهر الطرف الآخر في البلد أي تعاطف حيال الاتهام المزعوم لـ«حزب الله» في جريمة اغتيال الرئيس الحريري. كل ما صدر حتى الآن من مواقف يشدّد على رفض الانزلاق إلى الفتنة والحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي. أكثر من جهة دعت إلى صدور القرار ومعرفة مضمونه وحيثياته ومدى جدية الأدلة.

لم يستجب هذا الفريق لمطلب معالجة مسألة شهود الزور التي قد تصحّح مسار المحكمة. لا يستطيع لبنان أن يعيش في استقرار إذا كان هناك هذا الضخ السياسي حول قرار المحكمة الذي تنفخ به إسرائيل كل يوم. قد لا يكون في مستطاع التعاون السوري السعودي أن يغيّر في القرار الدولي، لكنه يستطيع أن يساهم في بناء تفاهم لبناني وصياغة موقف موحّد إزاء هذه المخاطر. تعطيل مفاعيل القرار الدولي وتداعياته يجب أن يبدأ في بلورة إرادة مشتركة بما لهاتين الدولتين من نفوذ على الفرقاء اللبنانيين منذ الآن. لا تكفي الدعوة إلى «التهدئة» ما لم يصدر عن المملكة العربية السعودية وأصدقائها الموقف الذي يرفض تسييس المحكمة ويتحفّظ سلفاً على المسار الذي سلكته حتى الآن

الكلمات المفتاحية: الاردن- الحكومة الاسرائيلية- الساحة الفلسطينية- السعودية- فلسطين- لبنان