آراء ومقالات

أمجد ناصر يكتب : الملك والإصلاح وقوى الشّد العكسيّ

عين نيوز- كتب –  أمجد ناصر –

العائد من عمَّان مثلي (بعد إجازة طويلة) يخرج بانطباع مقيم أن لا إصلاح حقيقي هناك ولا من يحزنون. سبق لي أن كتبت مقالاً بعنوان ‘إنسوا الاصلاح في الأردن’ ولم يكن دعوة لنسيان الاصلاح بل يأساً من حصوله، على نحو جذري، ما دامت الأمور تسير في البلاد كما تسير عليه اليوم. فكل المؤشرات تدل على أن القوم ماضون في تمرير الوقت وتقطيعه في لعبة الثلاث ورقات في انتظار انكسار موجة ‘الربيع العربي’ التي راحت تصطبغ بالدم يوماً بعد يوم على يد أنظمة الاستبداد العائلية، ولنا في عائلات القذافي وعلي عبد الله صالح وبشار الأسد خير دليل على دموية الاستبداد العربي وانتحارية خياراته.
وربما لولا هذا الدم الغزير الذي يسيل في سورية، وبقَّعَ أرض ليبيا، لرأينا جنوحاً حقيقياً للاصلاح في الأردن (وفي غير مكان عربي يشهد حراكاً شعبياً)، فالدم الذي أساله النظامان الليبي والسوري بغزارة روَّع الأهلين وكبح جماح بعضهم، وصار ذريعة، غير معلنة، للنظام العربي ‘الممانع’ للإصلاح كي يراوح في مكانه بحجة الحفاظ على الاستقرار. ولكن على العكس من ذلك تماماً: لِمَ لا يرى النظام العربي الممانع للإصلاح في انتفاضتي ليبيا وسورية وأكلافهما الباهظة، على غير صعيد، نموذجاً للتغيير ينبغي تجنبه، بأي شكل من الأشكال، والجنوح إلى تغيير أقل كلفة من ذلك بعدما أصبح هذا ‘الربيع العربي’ استحقاقاً تاريخياً لا يمكن الفرار من أمامه؟
فالدم الليبي والسوري المسفوك ينبغي، والحال هذه، أن يخيف النظم العربية الممانعة للإصلاح بدل أن يشجعها على وأد مطامح الناس في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
***
تسمع في الأردن كلاماً كثيراً عن الإصلاح، كما تسمع (وترى) الكثير من ‘الحَراكات’ الشبابية التي تتعالى أصواتها الغاضبة في المحافظات وبالكاد يُسمع صداها في عاصمة البلاد، لكن شيئاً من الاصلاح الحقيقي والعميق لم يحدث. فالقاعدة التي يتَّبعها القوم هناك تقول: تحدثوا عن الاصلاح ما شئتم، نظموا تظاهرات واعتصامات كما يحلو لكم ولكننا سنفعل ما نريد! إنها القاعدة نفسها التي سنَّها نظام المخلوع حسني مبارك وانتهت به الى مستشفى تابع لوزارة الداخلية المصرية. فالحراك الأردني اليوم يشبه بروفات الثورة المصرية: تظاهرات تكبر وتصغر، اعتصامات فئوية متفرقة، ارتفاع نسبي لسقف الكلام، فسح تعبير محدودة في الصحافة، نقد عمومي للفساد من دون تسمية الفاسدين، تكتيكات محسوبة للإسلاميين. تقابله ‘نعومة’ أمنية مدروسة و’ليونة’ سياسية مراوغة. ولكن عندما جرَّب هذا الحراك الشعبي أن ينحو منحى الثورة المصرية في ‘دوار الداخلية’ (بأعداد لا تقارن، بالطبع، بالمليونيات المصرية الشهيرة) لقَّنه النظام درساً مصرياً أيضاً: عنف الأمن وصفاقة البلطجية.
أمر الإصلاح في الأردن باختصار، وإنصاف أيضاً، هو التالي: على قدر الحراك الشعبي يكون الإصلاح! وهذه خطة قد تكون مفهومة من وجهة نظر النظام غير أنها، بالتأكيد، قاصرة. لأنها خطة بـ ‘القطَّاعي’. أي بالتجزئة. فهي يمكن أن ‘تمشّي الحال’ اليوم وغداً لكنها قد لا تفعل بعد غد. إنها، كما أسلفت، خطة الثلاث ورقات. كسب الوقت وتمريره (واستثارة مخاوف شطر من الشعب ضد شطر آخر) إلى أن يخلق الله أمراً كان مفعولاً. لكن ما لم يلتفت إليه لاعبو الثلاث ورقات في الأردن هو التالي: تآكل قاعدة النظام الاجتماعية والانفضاض المتزايد لمن يعتبرون عموده الفقري من حوله. فإذا أضفنا إلى ذلك التغير الكبير الذي يطرأ في المحيط العربي (وجوار الأردن تحديداً) ومجيء ‘الربيع العربي’ كي يستقر في المنطقة لا كزائر عابر، يكون النظام في صدد تضييع فرصة ذهبية لتكييف نفسه (أقصد أيضاً الحفاظ على ذاته نفسها) مع المتغيرات الداخلية والخارجية.. حينها ‘ولات ساعة مندم’، على ما جاء في القول العربي القديم.
وقد سبق لي، ولغيري، أن لفتوا إلى الصنيع الذكي للملك حسين عندما جعل من ‘هبّة نيسان’ (1989)، التي لا تقارن بما يعرفه الأردن اليوم من حراك واحتقان شعبيين، منعطفاً في الحياة السياسية الأردنية. فعندما شعر العاهل الأردني الراحل بأن الحرب الباردة، التي توضَّع في قلب موازينها وكان جزءاً من لعبتها الإقليمية، على وشك أن تضع أوزارها بادر الى التغيير قبل أن يفرض التغيير عليه فكسب فترة من عمره، وحكمه، هي الأكثر قرباً، على الأغلب، من أناس بلاده وقواهم الحية، غير أن عهد ابنه الملك عبد الله، الذي أعقب تلك الانعطافة المعقولة في حينها، لم يشهد تعميقاً لها بما يتلاءم مع مطامح الأردنيين في الحياة الديموقراطية بل شهد ما هو عكس ذلك حيث لم ترق انتخابات برلمانية في عهده الى ما عرفته انتخابات عام 1989.
***
ممانعة الإصلاح في الأردن قوية وهي تنتظم في جبهة متراصة الصفوف. فمن يظن أن تلك الممانعة تتعلق بالحكومة (البخيت ورَبْعه) التي تصوَّب اليها السهام مخطىء تماماً. فليس للحكومات الأردنية، خصوصاً في السنين العشر الأخيرة، وزن فعلي في إدارة شؤون البلاد ولا ولاية حقيقية عليها رغم أن الدستور يحملها عبء الولاية العامة ويعفي الملك، رأس الدولة، من أوزارها لأنه، دستورياً، فوق المساءلة!
قد يكون رئيس الوزراء الحالي معروف البخيت وأركان حكومته من الممانعين للإصلاح ولكنهم ممانعون فرعيون، فهناك، إضافة اليهم، قوس واسع من القوى الأمنية والجهاز البيروقراطي وبعض وجهاء العشائر ورجال بزنس هبطوا على البلاد بالمظلة ومصوا مواردها المحدودة. وهؤلاء يسمّون بلغة الماركسية ومصطلحاتها: الطبقة الحاكمة. وقد يتساءل سائل هنا: ماذا عن الملك؟ هل هو مع الاصلاح ولديه ‘خارطة طريق’ في سبيل تحقيقه (كما قال أحد المقربين منه لكاتب هذه السطور)، أم هو ضد الاصلاح الحقيقي الذي ينقل البلاد من حال الاستبداد الناعم الى الديموقراطية؟
كلام الملك العلني المتواتر، سواء ذلك الذي يدلي به للإعلام الأجنبي أو يتحدث به الى النخب السياسية والصحافية الأردنية التي يلتقيها بين حين وآخر، يشير إلى أنه يريد الاصلاح ويعمل من أجله، بل قد يذهب كلام الملك إلى حد الشكوى ممن يعملون ضده!
هذا يعني أن الملك ليس بين قوى الشدِّ العكسيّ للعملية الاصلاحية في الاردن! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على شكل فزورة: من هو الذي يعمل ضد الملك؟ أو من هو الذي يجعل رغبة الملك في الاصلاح تبدو، على أرض الواقع، عكس ما هي عليه في كلامه المعلن؟ أي بصريح العبارة: من الذي يخرِّب على الملك ويجعل كلامه في وادٍ والواقع في وادٍ آخر؟
لا جواب قاطع لدي. ولكن دعونا نرى الوقائع على الأرض.
أخذت لجان الحوار الوطني والتعديلات الدستورية دهراً حتى طلعت على الناس بـ ‘مخرجاتها’ (حسب التعبير الشائع في الصحافة الأردنية)، وهذا، بحد ذاته، بدا كسباً للوقت أكثر منه تمحيصاً في الخيارات وتمعّناً فيها. لنترك مسألة الوقت الذي تم تمطيطه بقصد أو من دون قصد ونركز على تلك ‘المخرجات’ التي انتهت إليها .
لقد شاءت الظروف أن أكون في عمان عندما تمت الموافقة على التعديلات الدستورية التي ينظر اليها النظام بوصفها الحد الأقصى لـ ‘مكارمه’ الاصلاحية، ولكنها لم تُحدث الوقع المرجو منها في الشارع المحتقن.
أي متمعن في التعديلات الدستورية يعرف أنها تكاد تكون خاوية. فهي مجرد شيء يلمع من الخارج ولكنها بلا جوهر حقيقي. فلم تصدر من مطلب ‘الشعب مصدر السلطات’ ولم تقترب منه. الحقيقي فيها (وهذا غير مؤكد في التطبيق) هو إقرار المحكمة الدستورية، تشكيل هيئة مستقلة للاشراف على الانتخابات البرلمانية، اطالة مدة الدورة البرلمانية الى ستة اشهر بدلا من اربعة، محاكمة الوزراء امام القضاء بدلا من مجلس النواب وتحديد اصدار القوانين في ظل غياب البرلمان إلا في حالات الكوارث والحروب.. وكلام عن استقلال القضاء.
لكن هذا لا يعيد الأمور الى ما كانت عليه في الأردن عام 1952. قد يبدو الأمر غريباً بعض الشيء. ففي العادة تتطلع الشعوب الى الأمام بدلاً من تطلعها الى الوراء إلا في العالم العربي. فلكي يتقدم الأردنيون على طريق الديموقراطية. لكي يكونوا الآن وهنا، عليهم أن يعودوا إلى دستور عام 1952!
هكذا لم ترق التعديلات الدستورية إلى ما كان عليه وضع الأردن قبل نحو ستين عاماً مضت. فلم تتضمن هذه التعديلات التي يفترض أنها جاءت على وقع ‘الربيع العربي’ عبوراً للأردن من الملكية المطلقة (ملكية القرون الوسطى في أوروبا)’الى الملكية البرلمانية التي ينادي بها الحراك الشعبي الأردني، فالملك لا يزال، حتى بعد تلك التعديلات، يمتلك’سلطات شبه مطلقة. فالدستور، الذي تم الاجتراء عليه، يمنحه، على سبيل المثال فقط، صلاحيات تكليف الحكومة وإقالتها أو قبول استقالتها، كما يمنحه صلاحيات تعيين أعضاء مجلس الأعيان وحل المجلس، إضافة إلى حل مجلس النواب وكذلك تحديد موعد الانتخابات النيابية وتأجيلها!
لم تمس التعديلات الدستورية تلك السلطات جوهرياً وهذا يجعل من الاصلاح مجرد تجميل للسلطة المطلقة التي لم يعد ممكناً لها الاستمرار في ظل وعي أردني وعربي، غير مسبوق، بحقوق المواطن الأولى. ولعل أبرز تقييم للتعديلات الدستورية جاء على لسان رئيس الوزراء السابق ورئيس ‘الجبهة الوطنية للإصلاح’ أحمد عبيدات عندما قال إن هذه التعديلات لا تلبي مطلب تداول السلطة الذي يعني أن تقدم الحكومة برنامجها إلى مجلس النواب وتطلب الثقة على هذا الأساس، ومن ثم تمارس صلاحياتها الدستورية كسلطة تنفيذية، وأن تخضع في جميع أعمالها وقراراتها إلى الرقابة والمحاسبة من مجلس النواب ورقابة القضاء على قراراتها الإدارية.. وهذا يعني أخيراً، بحسب كلام عبيدات، أن ينأى الملك بنفسه عن ممارسة أي سلطة تنفيذية.
فهل هذا ممكن؟

الكلمات المفتاحية: الاردن- الاصلاح- البلاد- الشد- العكسي- الملك