فن وثقافة

ألفريد نوبل يفتح قلبه وملفاته لرواد القرن الـ21

عين نيوز- رصد/

انتبهوا جيدا..الطريق سيكون متلبدا بالمطبات، لكن الرحلة لا بد ان تبدأ، وسوف نقتحم عوالم لا يتخيل القارئ الكريم انها بهذه الغرابة..وبهذا التشعب..وبهذه الخطورة.

من اين نبدأ في ترحالنا عبر كواليس الفريد نوبل (الانسان والرمز)، وما قبل ولادته وما بعد رحيله؟ وماذا عن نوبل الجائزة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا؟

ومع الشكر سلفا لجميع الذين فتحوا لنا قلوبهم، وذاكرتهم في الحياة وبعد الممات، وملفاتهم بالطبع.

 

رالف ستاينمان غادر هذه الدنيا الفانية، قبل أيام من منحه جائزة نوبل للطب.

ستاينمان، الكندي المولد، أحدث ثورة في فهم نظام المناعة من خلال اكتشافه، مع آخرين، مبادئ مهمة لتنشيطه.

والغريب ان ستاينمان كان قد استخدم اكتشافاته في علاج نفسه من السرطان، لكن، ها هو المرض يقضي عليه من دون ان ينتظر.. ولسوف يكتشف القارئ الكريم ان الفريد نوبل هو في انظار هذا العالم الآتي من القرن الحادي والعشرين، لينضم الى الذين، إما قدموا ارواحهم من اجل تقدم البشرية، او شاركوا في تطوير تجربة نوبل، وفي اطلاق جائزة على اسمه ولكن، بعد وفاته.

المشاعر المتناقضة

قبل الدخول في انطباعات الفريد نوبل عما حصل بعد وفاته، تعالوا نتلمس المشاعر المتناقضة التي احتلت قلوب زملاء ستاينمان في جامعة روكفلر بنيويورك: لقد استخدم زميلنا علاجا جديدا استند إلى بحثه (الذي فاز بسببه بجائزة نوبل) على نفسه، ليبقى على قيد الحياة لمدة أطول، لكن المفاجأة كان لها وقعها علينا جميعا.

المهم ان ستاينمان ( 68 عاما ) غاب الى الابد يوم الجمعة (30 سبتمبر). وبعد مشاورات مضنية حول مصير نصيبه في الجائزة التي تصل قيمتها إلى ثلاثة أرباع مليون دولار، قررت اللجنة المانحة لنوبل أن يذهب إلى ورثة ستاينمان.

ظنوا أنه مازال على قيد الحياة

زميله غولز هوفمان، العالم الفرنسي الذي حاز هو ايضا على جائزة نوبل للطب، كان له تفسير او فتوى علمية عما حصل: «طالما أنهم منحوا رالف الجائزة ظنا أنه مازال على قيد الحياة، فهي سارية. الجائزة يتم حجبها فقط عن الاشخاص الذين تعرف اللجنة أنهم توفوا».

هوفمان قال بالانكليزية «كانت كارثة بالنسبة لنا. أعرف أن رالف يعاني من المرض .. لكن معلوماتي إنه كان يتغلب عليه، وأنه كان تحت السيطرة. وفاته تلقي بظلالها على السعادة التي كان يفترض أن نتقاسمها».

الآن، نحن في ضيافة ألفريد نوبل..المخترع الذي شغل العالم كله بانجازاته، ولم يتوقف النقاش حول اختراعاته. والتعبير الشائع هو انه تعلم الشعر، واحب الحياة، لكنه تخصص في صناعة القتل! مفارقة غريبة من نوعها؟ ربما.

أفضل الطرق لتدمير الصخور

وُلد ألفريد يوم 21 أكتوبر 1833 في استوكهولم عاصمة السويد، وكان أبوه عمانوئيل نوبل مهندسا مدنيا مختصا بإنشاء الطرق والكباري، كما كان مبتكرا ومخترعا، خاصة فيما يمس طرق تدمير الصخور. وعلى العكس من مسار الأحداث بعد ذلك، كان ألفريد مصدر تعاسة لأسرته، فقد أفلس الأب في نفس العام الذي وُلد فيه ابنه ألفريد، كما التهمت النار مسكن العائلة. الافلاس دفع الأب إلى السفر وحده إلى فنلندا عام 1837بحثا عن فرصة أفضل للحياة.

ثم ارتحل عمانوئيل سريعا إلى بطرسبرغ عاصمة روسيا القيصرية القريبة جغرافيا من استوكهولم، وأنشأ هناك ورشة ميكانيكية، وما لبث أن عقد صفقات مع الجيش الروسي، فتحسنت أحواله المادية. وها هو يرسل لعائلته عام 1842 لتلحق به في بطرسبرغ، بينهم الفريد.

ستاينمان يستجوب نوبل!

• ماذا عن الالغام التي اخترعها والدك؟ .. وماذا عن الحروب التي اسهمت انت بها يا مستر الفريد، يا مخترع الديناميت، ووسائل التفجير واسعة الاثر؟ سؤال طرحه الذاهبون اليه في دار الحق مغادرين ارضنا بحلوها ومرها، وآخرهم رالف ستاينمان بالطبع.

الألغام البحرية

يجيب الفريد: والدي عمانوئيل كان سيجيبكم بهدوء يخفي ما مر عليه من آلام مبرحة واحزان هائلة، ونجاحات باهرة. سيقول: صدقوني لقد نجحت، في البداية، في اختراع الألغام البحرية المستخدمة في الحروب، وها ان الجيش الروسي يستخدمها في إقامة شبكة من الألغام البحرية في مياه بحر البلطيق، وحول مدينة بطرسبرغ.

• آه، صحيح، الالغام البحرية وفَّرت الحماية للمدينة من البحر أثناء حرب القرم. حرب استمرت من العام 1853 الى 1856 بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى. هذا انجاز رائع لوالدك يا مستر الفريد، الذي على اسمك انشئت الجائزة المذهلة!

السفن الحربية البريطانية

– شكرا، يومها لم تستطع السفن الحربية البريطانية اختراق شبكة الألغام، أو الاقتراب من المدينة. وهذا كله كان بفضل جهود والدي الراحل.

ولكن، قل لنا يا مستر الفريد، والدك آلم يحصل على جائزة لقاء جهوده واختراعاته؟

يضحك الفريد ويجيب باسلوبه الفريد من نوعه: تقصدون جائزة نوبل، التي انشئت بعد جيل كامل؟ المقصود انها انشئت بعد موتي انا بالذات بسنوات!

يضحك العلماء المشاركون في هذه الحوارات العفوية في العالم الآخر..ويقاطعهم الفريد: اجل يا مكملي رسالتي ورواد العلوم والاختراعات من بعدي. والدي عمانوئيل حصل، تقديرا لمجهوداته واختراعه على وسام الإمبراطور الذهبي من قيصر روسيا.

أراد أن يعوّضنا نحن أولاده الأربعة

• لا شك في ان هذا في حد ذاته انجاز باهر..وبداية فائقة الاهمية، يقولها رالف ستاينمان والذين سبقوه..وسؤال ملح: ماذا بعد نجاح الوالد في بطرسبرغ، وتكوينه ثروة كبيرة من اختراعه للألغام البحرية؟

– في الحقيقة، لقد أراد أن يعوّضنا نحن أولاده الأربعة: روبرت، ولودفيغ، وإميل، وانا ألفريد بالطبع، عن سنوات الضنك السابقة، فأتاح لنا مستوى رفيعا من التعليم الخاص. وفَّر لنا مدرسين قاموا بتعليمنا علوم الطبيعة والكيمياء واللغات والآداب.

• ماذا عنك انت بالذات؟

– قيل اني كنت فتى نابغا، فلم اكد اتم السابعة عشرة من عمري حتى أتقنت خمس لغات: السويدية، والروسية، والفرنسية، والإنكليزية والألمانية.

• غير معقول! خمس لغات في وقت واحد؟

– أجل، واتجه اهتمامي إلى الأدب، خاصة الأدب الإنكليزي، وتأليف الشعر، غير أن أبي لم يكن راضيا عن اهتمام ابنه بالآداب ومحاولات تأليف الشعر.

• كان يريد إلحاقك بمشاريعه في الهندسة المدنية، أليس كذلك؟!

-بالضبط، فأرسلني الى الخارج في سلسلة رحلات الى عدة دول، كي اواصل تعليمي في علم الكيمياء..وهكذا فقد وجدت نفسي في السويد..وفي ألمانيا..وفي فرنسا والولايات المتحدة.

البداية الحاسمة.. في باريس

• هل صحيح انك في باريس بالذات وجدت نفسك منخرطا في الكيمياء؟

-صحيح، هنا كانت البداية الصعبة. التحقت اولا بمعمل البروفيسور بيلوز، وتوجه اهتمامي نحو نفس اهتمامات والدي في التفجير والديناميت.

• التفجير والديناميت؟! لماذا هذا الاصرار على مجال ملتبس، وعلى اختراعات عادت واستخدمت في القتل والتدمير اكثر مما استخدمت في تأمين مواد البناء واقامة المنشآت الحيوية للمدن والارياف؟!

هنا وجد الفريد نوبل نفسه امام استجوابات قد تؤدي الى نزع الثقة.. ليس بالحكومة، وانما بالجائزة..واذا به يستمهل محاوريه لبعض الوقت، يطلعونه خلاله على اوضاع القرن الحادي والعشرين، والتداخل الحاصل بين الحروب والازمات السياسية والمالية، الخ.

والى اللقاء غدا في تكملة لقصة الفريد نوبل مع الاختراعات..ومع الهموم العائلية.. والدولية، والقصة الفعلية للجائزة.

 

 

 

 

الكلمات المفتاحية: الديناميت- جائزة نوبل- نوبل