ثقافة ساكن: كدت أموت رعبًا لرؤية أحدهم

«الجنجويد» في عيون أدباء سودانيين..

–  جنجويد اختصارا لـ “جني يمتطي جواد”

– الروائي بركة ساكن: عيونهم مرايا تعكس لهيبًا

–  السليك: ظهروا في فترات النهب المسلح “ثمانينات القرن الماضي”

 

عين نيوز- ياسر أبو جامع

«التف حولي بسرعة عدد كبير منهم، أبدوا ملحوظات حول جسدي، وطلبوا مني أن أخلع ملابسي وإلا أصبح مصيري مصير أمي المضرجة بدمائها، كانوا سكارى، تفوح من أفواههم رائحة العرق والمريسة.

أكدوا أنهم يريدونها، وإذا رفضت فإنهم سيربطون رجليها على ساق الشجرة ويفعلون بها، وشرعوا في ربطها على ساق شجرة النبق، وحينما أزاحوا القصب رأوا الطفلين اللذين صرخا في رعب وهما يلتفان حول أمهما، هتف أحد الجنجويد مكبرًا وهو يخرج سكينًا كبريًا ويمضي نحو الطفلين، قبض الأصغر ابن السابعة، وحاول ذبحه، فصرخت الأم المربوطة قائلة: ما تخاف الله يا راجل؟

رد عليها وهو منشغل بتخليص الطفل: الله؟ منو الله؟ اللي قتلناه في وادي هور قبل أسبوعين.

وضحك في وحشية، وفي لمح البصر فصل رأس الطفل عن جسده تمامًا، ورمى بالرأس بعيدا وهو يصرخ مكبرًا في هستيريا».

هكذا وصفت مخيلة الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن (يعيش حالياً في النمسا)، قسوة ووحشية عناصر ميليشيا “الجنجويد”، في روايته “مسيح دارفور”، وفيما يرصد “عين نيوز” شهادات روائيين وكتاب من السودان، حول هذه الميليشيا، موضحاً معنى “جنجويد” وما الدور الذي تلعبه هذه الميليشيا في أزمة “دارفور” وبعض المناطق المشتعلة الأخرى.

 

◄ الصراع في دارفور

دارفور هو أحد أكبر أقاليم السودان. تحدّه أربع دول هي ليبيا، تشاد، إفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وهو إقليم غني بالثروات، ولذلك يشهد عادة تناحراً بين قبائل الرعاة العربية والمزارعين الأفارقة من قبائل «الفور، والزغاوة، والمساليت»، على المراعي الخاصة بالإبل والأبقار. ولكن في عام 2003 تحوّل التنافس إلى كتلة من اللهب بعد أن اندلعت فيه الحرب.

تختلف أسباب اندلاع أزمة دارفور باختلاف وجهات النظر، فالنظام السوداني يتبنى رواية “أنها حرب قبلية”، بينما الحركات المسلحة، وأكبرها ما يسمى بـ”جيش تحرير السودان” و”العدل والمساواة”، فترى أنها الرغبة في الإطاحة بنظام الخرطوم وبناء نظام عادل لا يهمّش الأطراف الأخرى، وهو ما ظهر في كتبهم كـ”الكتاب الأسود”، الذي أصدرته ما تسمى بـ”حركة العدل والمساواة”.

ويرى آخرون أن هذه الأزمة عبارة عن صراع بين الرئيس السوداني عمر البشير وزعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي، ويدللون على ذلك بأن معظم عناصر “العدل والمساواة” هم من أبناء المؤتمر الشعبي (حزب الترابي).

 

◄ معنى جنجويد:

تتكون كلمة “جنجويد” من شقين “جن” و”جويد”، وهي اختصار لجملة “جني يمتطي جواداً”، في إشارة إلى مقاتلي تلك الميليشيات المتميزين في ركوب الخيل والجمال، وقد حصلوا على هذا التوصيف لأنهم “يُفاجئون أهل القرية المستهدفة بحشود غفيرة تقتحم قريتهم ممتطية الأحصنة والجمال، وتبدأ بدخول المنازل، فتقتل وتنهب، ثم تقوم بحرق المنازل المنهوبة”- حسب شهادات أهالي دارفور لوكالات الأنباء العالمية.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن حصيلة الحرب في إقليم دارفور -خلال الأعوام الماضية-حوالي 300 ألف قتيل وأكثر من مليوني نازح، و400 ألف لاجئ خارج البلاد، بالإضافة إلى 47 قتيلاً و139 مصاباً من العاملين في الوكالات الأممية في الإقليم. كما “قام الجنجويد بإضرام النيران في مسجد بإحدى قرى دارفور، أثناء وجود المصلين داخله لأداء صلاة الفجر، ثم قتلوا أكثر من ألف شخص في قرية تعداد أبنائها 5 آلاف”.

تكونت ميليشيا “الجنجويد” عبر ثلاثة أفرع رئيسية، هي عناصر النهب المسلح -مجموعات انتشرت في الثمانينات والتسعينات، بعد موجة جفاف ضربت إقليم دارفور-، وعناصر قبلية موالية للحكم في الخرطوم -مثل مليشيات “الفرسان” أو ما يسمى بـ”الدفاع الشعبي”-، وعناصر أجنبية من خارج السودان -ترجع أصولها إلى دول أفريقية شتى هاجرت إلى دارفور في العقود والسنوات الأخيرة-.

◄دور الجنجويد في صراع دارفور:

لعبت عناصر “الجنجويد” دورا رئيسيا في الصراع المسلح في دارفور، فبعد ظهور هذه الميليشيا تحول الصراع في المنطقة من صراع سياسي لأهل دارفور ضد الحكومة؛ إلى صراع بين الدارفوريين أنفسهم.

وفي المعارك ضد المتمردين، لعب “الجنجويد” دورًا كبيراً؛ لكن اسهامهم الأكبر -حسبما يرى مراقبون-كان في ترويع المدنيين من القبائل الأفريقية؛ التي يشتبه في دعمها للتمرد؛ خصوصا قبائل “الفور، المساليت، والزغاوة”؛ التي تنحدر منها معظم قيادات حركتي التمرد في دارفور.

إلا أنه من الناحية الأخرى؛ تسببت فظائع وممارسات “الجنجويد” تجاه المدنيين، وكذلك دخول الميليشيا إلى حدود دولة تشاد وشن الهجمات داخلها، في إحراج الحكومة السودانية، خاصة عقب ردود الفعل الواسعة المحلية والإقليمية والعالمية على ممارسات وجرائم “الجنجويد”، وقد أعلنت الحكومة السودانية، على لسان رئيسها؛ أنها عازمةً على حل “الجنجويد”؛ ودعتهم إلى إلقاء السلاح.

◄ بركة ساكن: كدت أموت من الرعب

وفي حديثه لـ”عين نيوز”، أكد الروائي السوداني بركة ساكن، أن المرة الأولى التي رأى فيها “الجنجويد” بعينيه، في مدينة الفاشر (تقع في غرب السودان)، في العام 2008، عندما شارك في فريق الأمم المتحدة الخاص بتدريب جيوش الاتحاد الأفريقي بدارفور على حقوق الإنسان وحماية الأطفال المتواجدين في مناطق الحروب، وإلقاء محاضرات حول موضوعات العنف ضد المرأة.

ويوضح ساكن، أنه سمع عن ميليشيا “الجنجويد” كثيرًا قبل أن يأتي إلى دارفور مع فريق الأمم المتحدة، معبرًا عن الرعب والخوف الذي اعتراه عندما رآهم رغم سماعه الكثير عن جرائمهم، قائلاً: “على الرغم من كل الأشياء السيئة التي ذُكرت عنهم والصورة المرعبة التي رسمتها مخيلتي لهم-ذكر بعضاً من هذه الصورة في روايته (مسيح دارفور) -إلا أنني عندما شاهدت أول عربة عسكرية للجنجويد دخلني الرعب”.

ويصفهم صاحب رواية “مسيح دارفور”: “كانوا عبارة عن رجال نحاف الأبدان، مدججين بالأسلحة والذخائر والتمائم الكبيرة جدًا، التي في حجم المصحف، شعورهم كثة، وعيونهم تلمع كأنها مرايا تعكس لهيبًا، يتحدثون لغة ليست هي العربية، وليست هي شيئا آخر غيرها، ويسمونها (الضجر)”.

ويتابع ساكن: “تصادف وجودهم وإيايَّ في زقاق ضيق يقود إلى سوق داخلي، لم يتحدثوا إلىَّ، بل ربما لم يرونني إطلاقًا، لكنني كدت أن أموت من الرعب”.

◄ السليك: دولة داخل الدولة

في نفس السياق، قال الصحفي والروائي فايز الشيخ السليك -يعيش حالياً في أمريكا-؛ “الجنجويد مليشيات قبلية تتكون من أشخاص منفلتين وخارجين عن القانون في دارفور، ظهروا في فترات النهب المسلح، في ثمانينات القرن الماضي”، مشيراً إلى الكلمة مشتقة من “جن يركب جواد”، لأن عناصر الميليشيا يمتطون الخيول ويقاتلون بسرعة، كما يرى البعض أن الاسم جاء لأنهم يركبون الحصان “جواد” ويستخدمون السلاج “جيم ثري”.

ويضيف السليك، في حديثه لـ”عين نيوز”: أنه “في بداية التسعينات، حين قادت الحركة الشعبية لتحرير السودان حربًا ضد الحكومة في دارفور، تم توظيف مليشيا الجنجويد، التي قامت بدورها بالاعتداء على قرى السكان هناك، وبعد ذلك صار”الجنجويد” دولة داخل دولة، يحرقون وينهبون ويغتصبون النساء” -حسب رأيه.

ويتابع السليك: “ظهر دور الجنجويد بشكل أوضح في حرب دارفور، واسمتهم بعض الجهات الرسمية –حينها- (فرسان العرب)، لأن معظمهم ينتمون لقبائل ذات أصول عربية، بعضها قدم من خارج السودان مثل مالي والكاميرون وتشاد”.

ويوضح السليك، أن “هذه التحولات، وما تبعها من تغيير مسميات المليشيا، جاءت بعد نقل قضية دارفور إلى مجلس الأمن الدولي، واتهام مليشيا الجنجويد بارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب، في عام 2003”- حسب قوله.