آراء حرة

رئيس مختلف

من حق الأردنيين أن يفاخروا أن “ربيعهم” مختلف، ولا يماثل تجارب شعوب المنطقة، فهو الذي يبدأ وينتهي من دون أن تراق فيه نقطة دم واحدة.

خرج الأردنيون شباباً وشابات رفضاً لمشروع قانون الضريبة، وفي الوقت ذاته رفضاً لنهج اقتصادي واجتماعي وسياسي أوجعهم لعقود، وكان يعدهم بالفرج الذي لم يأت وزادهم فقراً.

تجربة الاحتجاجات تستحق التأمل والإشادة، فهي مضت من دون احتكاكات لافتة بين المتظاهرين ورجال الأمن والدرك، ولم تحدث أي عمليات تخريب تذكر، وحافظ المحتجون على شعارات سياسية، واقتصادية منضبطة ومقبولة.

كل هذا حدث والاحتجاجات من دون قيادة سياسية، وغالبيتهم من الشباب والشابات دون الثلاثين، وهو ما يزرع الأمل بمستقبل الأردن، وقدرته على صيانة حرية التعبير بشكل سلمي وحضاري.

من المهم الإشارة إلى أن تجربة الاحتجاجات كانت درساً لكل من يعتقد أن الأردن دولة هشة، ويراهن على تضيق الخناق عليها، ورسخت تلاحم القيادة السياسية بشعبها، فقد أكدت القيادة مراراً حق الناس بالتظاهر، وشددت تعليماتها للأمن والدرك على ضرورة حماية المحتجين.

ولا ننسى بأن هذه الاحتجاجات أعادت تسليط الضوء على الأردن كدولة قوية في الإقليم تواجه تحديات اقتصادية، ومن الضروري مساندتها والوقوف معها، وما حدث لاحقاً من اتصالات خليجية دليل على ذلك.

زرعت هذه الاحتجاجات الأمل بالتغيير بإقالة حكومة الرئيس هاني الملقي، وتكليف الدكتور عمر الرزاز الشخصية الإصلاحية بتشكيل الحكومة.

لا يحتاج الرزاز إلى شهادة حسن سلوك، فهو يملك إرثاً نضالياً وإنسانياً، فوالده منيف الرزاز مات ولم تلوثه السلطة، وشقيقه الروائي البارز مؤنس الرزاز ترك إرثاً أدبياً يخلد ولا ينسى رغم رحيله، وهو دمث متواضع يملك رؤية إنسانية وحقوقية، وخبرة وعلماً، فهو خريج هارفرد، وعمل في مؤسسات دولية منها البنك الدولي، وصاحب موقف اقتصادي اجتماعي.

استطاع الرئيس المكلف أن ينزع فتيل الأزمة، ويمتص غضب الشارع بإعلانه بأنه سيسحب بعد أداء اليمين الدستورية مشروع قانون ضريبة الدخل، لكن الرزاز يدرك أن الرهانات تتعدى ذلك، وهو يعلم أنه يتولى المسؤولية في ظرف بالغ الصعوبة، وحصار سياسي واقتصادي للأردن قبيل استحقاقات “صفقة القرن”.

الاختبار الأول للرئيس الرزاز هو اختياره لفريقه الوزاري، وقدرته على فرض رؤيته، وتشبثه بولايته الدستورية، وسعيه للخروج من المعادلات التقليدية التي تتحكم بتشكيل الحكومات، وأولاها إعلاء وتقديم الاعتبارات الجغرافية والعشائرية على حساب الكفاءة.

على غير العادة في تشكيل الحكومات، يتمهل الرزاز في تشكيل حكومته، وحتى لحظة كتابة هذا المقال لم تتسرب أسماء الفريق الوزاري، وحتى وزراء حكومة تصريف الأعمال لا يعرفون ما يحدث، ويلتزمون المراقبة والصمت.

لقاءات الرئيس المكلف بمجلسي الأعيان والنواب، ومجلس النقباء، وغرف الصناعة والتجارة ورجال الأعمال، خطوة بالاتجاه الصحيح، وطمأنة للشارع، وتكريس لنهج التشاور والمشاركة، ونتمنى أن يكمل هذا الطريق بلقاء مؤسسات المجتمع المدني “السلطة الخامسة” التي تتجاهلها الحكومات، وخصها الرزاز بالذكر وتأكيد مكانتها.

لن نرفع سقف التوقعات والرهانات على حكومة عمر الرزاز، وندرك أنها لن تصنع انقلاباً بين ليلة وضحاها، ولكنها مطالبة بأن تشعر الناس بأن هناك شيئاً يتغير على أرض الواقع، وأن نهج الجباية والتغول على قوت الفقراء والطبقة المتوسطة سيتراجع ثم يتوقف، وأن الإصلاح الاقتصادي مرتبط بإصلاح سياسي، وأن كل ذلك لا يتحقق من دون احترام لحقوق الإنسان لتسود وتتقدم على ما عداها.

نريد من الرزاز أن يقدم برنامجاً حكومياً يتضمن مؤشرات قابلة للقياس والتقييم والمساءلة، وهذا أول الطريق بدل الوعود التي تنتهي بعد أن يتسلم الوزراء كراسيهم.

ونريد أن نشعر أن هذه الحكومة تعمل لدينا، وتحت إرادتنا، والأردنيون هم من يقررون توجهاتها، وليست قوى خفية، لا نعرفها أو نراها.

أخلى المحتجون الشوارع بعد وعود الرئيس المكلف، لكنهم مطالبون بالتمسك بتجربتهم السلمية بالاحتجاج، وتطويرها إلى أدوات رقابة شعبية وجماعات ضغط وكسب تأييد، وعندما يفعلون ذلك لا يستطيع الرزاز أو غيره، أن ينسوا للحظة أنهم يعملون في خدمة الشعب الأردني العظيم.

أخيراً ندعم الرزاز الذي نعرف نزاهته، ونثق بمواقفه، وندعوه لأن يكون مقاتلاً شرساً دفاعاً عن حقوقنا، ودفاعاً عن الأردن.

(جريدة الغد)