آراء حرة

الورق يصارع ترامب المغرّد.. وبوتين التدخل الإلكتروني

أحمد مغربي

مع صدور كتاب للصحافي الأميركي مايكل وولف “نار وغضب: داخل بيت ترامب الأبيض” ورقيّاً بغلاف سميك فاخر، بدت لعبة الميديا والوسائط في رئاسة ترامب كأنها تغلق دائرة تامة الاستدارة. سدّد فوزه الشهير في انتخابات الرئاسة (2016) ضربة ساحقة إلى صحافة الورق ومؤسّساتها وطرق عملها التقليديّة، لأنه خالف كل توقّعاتها واستطلاعاتها. آنذاك، راج أنّ صحافة الورق حفرت قبراً بيديها لأنها لم تأخذ رأي الـ”سوشال ميديا” بعين الاعتبار.

بقول آخر، بدت لحظة موت وشيكة للوسيط الورق لأنه لم يعطِ أهمية كافية للوسيط الرقمي وشبكات الإعلام الالكتروني، خصوصاً مواقع التواصل الاجتماعي التي يحضر في ثناياها الرأي العام على مدار الساعة، متفاعلاً ومؤثّراً ومتأثّراً، بطريقة غير مسبوقة في تاريخ وسائط الإعلام العام.

وإذ تكرّرت انتصارات الشعبويّة في أوروبا (خصوصاً الصعود السريع للفرنسيّة مارين لوبان)، كان الأمر كأنّه جنازة غير معلنة لصحف الورق، بل للثقافة المرتبطة بمطابع الورق وعهدها المستمر منذ 500 سنة، باعتبار أنه ابتدأ مع الاصلاح البروتستانتي والبيان الشهير للقس مارتن لوثر ضد الباباوات وطباعة الإنجيل باللغات الأوروبيّة الحيّة بدل اللاتينيّة.

انتقام الورق

لم يَسِر الميت إلى قبره، بل انتقم بقسوة! حتى قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، انفجرت فضيحة التدخّل الروسي، الذي استند إلى الشبكات الرقميّة (خصوصاً “سوشال ميديا”) للتلاعب بميول الناخب الأميركي. وتفجّر صراع بين الإعلام التقليدي (تحديداً التلفزيون وصحافة الورق)، وترامب الذي سرعان ما تحوّل رئيساً أميركيّاً مغرّداً أولاً، في الإشارة إلى اعتماده شبه الحصري على “تويتر” في تلك المعارك.

صار الوسيط الالكتروني عبئاً على ترامب. إذ تخبّط في معركة الدفاع ضد فرضية التدخل الروسي الالكتروني لمصلحته، في حلقات شملت إقالة جايمس كومي (مدير سابق لمكتب التحقيق الفيدرالي) الذي أهلّه موقعه الاستخباراتي المتقدم اعطاء دعم قوي لتلك الفرضية. وكذلك صبّ ترامب جزءاً من مدفعية تغريداته على صحافة الورق، خصوصاً الـ”نيويورك تايمز”، إضافة إلى شبكة “سي آن آن”.

وقبل أن ينهي عامه الأول في “المكتب البيضاوي”، سدّد الوسيط الورقي ضربة الانتقام التي أعلنت بوضوح أنّه لم يمت، بل مازال ممسكاً بواسطة العقد في الإعلام العام. سار مايكل وولف على تقاليد صحافة الورق تماماً، بداية من التحقيق باللقاء المباشر مع الأشخاص، ووصولاً إلى تأليف كتاب مستند إلى عمل صحافي تقليدي محترف، بل أنّه لم يلجأ إلى وضع مرادف الكتروني لكتابه. نفذت عشرات آلاف النسخ الفاخرة من كتاب “نار وغضب” في إغماضة عين. وشهدت المكتبات الأميركيّة صفوفاً طويلة، تذكر بتلك التي ترافق روايات الياباني هوراكي موراكامي وسلسلة “هاري بوتر”، وكلها من صنع الوسيط الورق.

نعم. لم يَسِرْ الورق إلى موته “الافتراضي” (اشتقاقاً من تسمية فضاء الانترنت)، بل انتقم بقسوة بأنّ أوصل الرئيس المغرّد إلى حافة خطرة، بل تهدّد ولايته كليّاً. إنّه أول رئيس “تويتر” في تاريخ أميركا، بمعنى تكريس بين رئاسته وسيول تغريداته على “تويتر”، من “زري أكبر من زرّك” في أزمة كورية إلى “مجنون فقد عقله (عن مستشاره الاستراتيجي السابق ستيف بانون) عندما أقيل من وظيفته… إنه منبوذ كالكلب” في أزمة كتاب “نار وغضب”.

لعبة مرايا بين الرئاسة والوسائط الإعلاميّة

في ذلك السياق، من المستطاع التذكّر بأنّ الرئيس الديمقراطي الراحل جون كينيدي وُصِفَ بأنه الرئيس الذي صنعه التلفزيون الملوّن، بل إنّ الميزان بينه وبين المرشّح الجمهوري آنذاك ريتشارد نيكسون بعد المقابلة التي تألّق فيها المرشح الديمقراطي المفرط الوسامة بشعر أشقر وعيون ملوّنه ووجه أبيض مشرّب بحمرة ودودة. شكّلت تلك المقابلة التي خذلت فيها الشاشة نيكسون صاحب الوجه الشاحب اللون والمفتقد إلى الوسامة، نقطة انعطاف كبرى في علاقة الرئاسة الأميركيّة بالإعلام العام. وبالاستعادة، يبدو كينيدي أول رئيس من صنع الشاشات المرئيّة- المسموعة في الإعلام العام، بل تكرّس ذلك بأنه أول رئيس سجّل مقتله لحظة بلحظة على شاشة التلفزيون أيضاً.

أليس في تلك المعطيات ما يحفز على القول بأن التداخل بين التلفزيون وانتخاب كينيدي ومصرعه، كرّس علاقة الرئاسة الأميركيّة بشاشات الإعلام، وهي ما زالت مستمرة، مع انتقال مركز القوة في تلك الشاشات من التلفزيون إلى شاشات الكومبيوتر والخليوي والـ”تابلت” وغيرها؟

في السياق عينه، وُصِفَ الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما بأنه أول رئيس صنعه “يوتيوب” والـ”سوشال ميديا”، إذ تميّز فوزه التاريخي كأول رئيس أفريقي- أميركي، بكثافة شعبيته في الـ”سوشال ميديا”، كما سجّل سبقاً في مخاطبة الشعب الأميركي مراراً عبر “يوتيوب”.

قبل سنتين من انتخابات الرئاسة الأميركيّة للعام 2016 التي ما زالت تحيّر المؤسّسة السياسية الأميركيّة، كتب السياسي الأميركي الشهير هنري كيسنجر مؤلّفه الذائع الصيت “نظام عالمي” World Order. وأفرد فصله الأخير لعلاقة السياسة المعاصرة مع الإعلام الرقمي والشبكات الافتراضيّة المعولمة، بل اختتمه بعبارة تشدّد على أن السياسي في القرن 21 يتوجّب عليه أن يكون “تاليران مغرّداً” A Tweeting Talleyrand.

ويعتبر السياسي الفرنسي تشارلز تاليران (1754- 1838) رمزاً للدهاء والتمرّس في السياسة وحبائلها، ورسخ صيته في التاريخ عبر أمور أبرزها معاهدة فيينا (1814) التي ساهم بقوة فيها (مع السياسي الألماني المحنّك كليمانس ميترينخ)، وضمنت لأوروبا سلاماً دام قرابة قرن، فاعتبرت درساً مرجعيّاً في السياسة والتاريخ والديبلوماسيّة والاستراتيجيّة وصناعة النظام الدولي.

زرّي أكبر؟ ما رأي التحليل النفسي بتلك الذكورية؟

الأرجح أن لا يوافق كثيرون على تشبيه تاليران بترامب القرنفلي المزاج والناري التصريحات، لكنه يستوفي الوصف الكيسنجري للسياسي المعاصر بكثافة استخدامه للتغريدات على موقع “تويتر”. وبمجرد أن لاحت النذر الأولى لتوجيه أصابع الاتهام قانونيّاً من قِبَل المستشار الخاص روبرت مولر الذي يتولّى التحقيق بشأن انتخابات 2016، جاء ردّ ترامب عليها عبر عاصفة من التغريدات “الدفاعيّة” عبر “تويتر”.

هل هناك توافق مبطّن بين النص القصير في “تويتر” الذي يفرض أقوالاً مكثّفة ليس بالضرورة أن تتسلسل منطقيّاً، وبين المزاج الشعبوي لترامب، بل ضحالته سياسيّاً، أقلّه وفق التغريدات المضحكة- المبكيّة التي اندفعت عواصفه في سجاله “تويتريّاً” مع كيم جونغ أون؟ ربما هواة التحليل النفسي سيجدون مجالاً واسعاً للحديث عن المضمر الجنسي الذكوري في تغريدة “زرّي أكبر من زرّك”، كأنه يقول إنّ ما عنده كرجل وذكر أكبر مما لدى الكوري! كيف يمكن التفكير بتدفق الفكر السياسي عبر “تويتر” بعد أن أوصله ترامب (يحتل الموقع الأول سياسيّاً عالميّاً) إلى ذلك المستوى الفائق الانخفاض؟

هل يكون ترامب أيضاً أول ضحية رئاسيّة لـ”تويتر” والـ”سوشال ميديا”؟ يندفع ذلك السؤال إلى ذهن من يتابع الشأن الأميركي حاضراً، خصوصاً تطوّر التحقيق في شأن تدخّل روسيا لمصلحة ترامب في انتخابات 2016. ربما مازال الوقت مبكراً للحديث عن أول رئيس دعمه عملاق الـ”سوشال ميديا” المُدار بالتدخل الالكتروني، لكن الورق خلعه، كأنه يكرّر صورة ضربة داوود صغيراً إلى العملاق جالوت!

المدن