آراء حرة

لا تحمّلــوا الأردن أكثـر ممـا يحتمـل

الأربعاء ٦\١٢\٢٠١٧

عريب الرنتاوي

تأخذ الحماسة سياسيين وإعلاميين أردنيين إلى “مطارح” لا يرغب بها أحد، ترفع سقف توقعات مواطنيهم حيال ما يمكن لدولتهم أن تفعله، وما لا قبل لها به أو عليه، وترتفع معها الرهانات بأكثر مما ينبغي، وتبدأ بعد ذلك عمليات “الهبوط غير الآمن” من أعالي الأشجار وقممها المترفعة … وهذا أمرُ يظنه البعض تعبيراً عن “وطنية فائضة” وندرجه نحن في باب “لزوم ما لا يلزم”، حتى لا نقول “جهلاً وزيفاً ورياء”.

الأردن معني بقضية القدس، على سبيل المثال لا الحصر، ولكنه معني بها بالدرجة الثانية، فالقدس في المقام، عاصمة دولة فلسطين العتيدة، وهي جزء من أراضي الفلسطينيين المحتلة على دفعتين، 1948 – 1967، والحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، هي المسؤولة عن هذه المدينة، وهي المعنية بها أكثر من غيرها، أقله بتحرير شطرها الشرقي، وما لم يتصدر “الممثل الشرعي الوحيد” الحراك الرامي للتصدي لما يحيط بالقدس من تهديدات، وما يحيق بها من مؤامرات، فليس منتظراً من أحدٍ أن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، ينطبق ذلك على “الأهل” و”الأشقاء” في دنيا العروبة والإسلام، وينطبق بجرعة أكبر على الأردن، بالنظر لروابط التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا و”الرعاية” وغيرها من عوامل وأسباب، تجعل الأردن معنياً أكثر من غيره، وإن كان ليس المعني الوحيد، وليس المعني أكثر من أهل مكة الأدرى بشعابها.

بعد كل زيارة يقوم بها الملك لواشنطن، يخرج علينا نفرٌ من هؤلاء السياسيين والإعلاميين، بتصريحات وتحليلات، يفهم منها أن الأردن قادر على تقرير وجهة السياسة الأمريكية في المنطقة، وفي مقدمتها فلسطين والقدس … ومع إدراكنا العميق للمكانة الخاصة التي يتحلى بها الملك في مختلف دوائر صنع القرار الأمريكي، ومع إقرارنا بالتميز الذي يطبع العلاقة بين عمان وواشنطن، إلا أن المبالغة هنا، ترقى إلى مستوى الظلم، ظلم الأردن وتحميله أكثر مما يحتمل، وتحديداً في ظل إدارة أمريكية، تغلب الفوضى واصطراع المصالح ووجهات النظر على عملها، وتتعدد مراكز صنع القرار فيها، وأحياناً من دون انسجام أو تنسيق كافٍ.

واشنطن/ ترامب، حالة غير مسبوقة منذ سنوات وعقود في السياسة والإدارة الأمريكيتين … ألم يشتك ريكس تيلرسون من “تغييبه” عن مفاوضات جارد كوشنير في الرياض، وترتيباته لـ “صفقة القرن”؟ … كنّا نظن أننا وحدنا لا نعلم بما يطبخ ويحاك للقدس والمسألة الفلسطينية، إلى أن قرأنا في صحافة واشنطن، أن وزير خارجيتها، لا يعلم الكثير بدوره … في مناخات من هذا النوع، ما الذي بمقدور دبلوماسية بلد منفرد أن تفعله، إن لم تلحق بها، وتتضافر معها، جهود ومحاولات مختلف الديبلوماسيات العربية.

أكثر ما يثير من الاطمئنان في حديث الملك لمجموعة من الكتاب والإعلاميين بالأمس، هو هذا التنسيق اليومي – المؤسسي المنتظم بين عمان ورام الله … يبدو أن الاتصالات تجري على مدار الساعة بين الجانبين، وعبر عدة قنوات ومستويات، باعتبار أن السلطة هي صاحبة الولاية و”السيادة” المفترضة على القدس، وعمان هي الأقرب للقدس بكل المقاييس والمعايير … لكن ما زلنا نتطلع لموقف عربي أكثر فاعلية في التحرك على هذا الصعيد، وقبل أن “تقع الفأس بالرأس”، مع إداركنا أننا نطلب شيئاً ليس يسيراً، في ظل تباين الأولويات، وانشغال عواصم عربية وازنة عديدة، بملفات وصراعات، تدور في معظمها حول إيران ونفوذها الإقليمي المتزايد، من دون انتباه كافٍ للمسألة الفلسطينية، التي اعتقدنا وما زلنا نعتقد، بأنها تحتل مكانة القلب في خريطة صراعات المنطقة ونزاعاتها، بخلاف ما يروج له الإسرائيليون، وما بدأنا نسمعه من عواصم عربية وإقليمية وازنة.

تستطيع الديبلوماسية الأردنية أن تلعب أدواراً قوية، وستصبح أقوى وأفعل، كلما ارتفعت وتائر التنسيق مع السلطة ومساحاته … لكن ما يجري في واشنطن من فوضى وتحولات، وما جرى في إسرائيل من انزياحات اجتماعية وسياسية نحو التطرف الديني والقومي، يجعل الفلسطينيين والأردنيين سواء بسواء، بحاجة للعون والإسناد، وتجعل التحرك العربي والإسلامي (فضلاَ عن عدم الانحياز وأوروبا وروسيا والصين)، أمراً ضرورياً لوقف الاندفاعة الأمريكية غير المسؤولة، حيال المسألة الفلسطينية عموماً، وقضية القدس على وجه الخصوص.

وستكون الديبلوماسيتان الأردنية والفلسطينية في وضع أقوى، إن هما استندتا إلى موقف شعبي صلب منافح بقوة عن الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي في المدينة المقدسة، ونذكّر بأن انتفاضة أهل القدس ضد البوابات والكاميرات في تموز/ يوليو الفائت، كانت الأرضية الصلبة التي استندت إليها هاتان الديبلوماسيتان، ومن دونها، ما كان لحراك سياسي أن يحصد الثمار المرجوّة منه… وعلى الفلسطينيين، سلطة ومنظمة وفصائل ونشطاء، في الضفة والقدس وغزة والشتات، الاستعداد لملاقاة أية خطوة استفزازية يقدم عليها ترامب أو غيره، بما يليق بها من احتجاجات، تعيد للقدس وفلسطين اعتبارها، وتكرس المعادلة التي يجهد كثيرون في شطبها من ذاكرتنا: من دون الحرية والاستقلال لفلسطين، لا أمن ولا استقرار في هذه المنطقة.

أضف تعليقك