آراء حرة

زيارة خاطفة للتاريخ

الاثنين ١٣\١١\٢٠١٧

عبد الحميد المجالي

عندما كان ضباب الحرب يغطي سماء الشرق الاوسط وما بعده من افاق الساحة الدولية المعنية بالمنطقة في الشهور التي سبقت عدوان عام سبعة وستين، كان المغفور له الملك الحسين بحاسته السادسة التي لاتخطئ، وبخبرته السياسية التي استوطنت طويلا على خطوط تماس مشكلات المنطقة وقضاياها المتدفقة كشلال هادر، يعرف انه اذا وقعت الحرب، فان الهدف الاول لاسرائيل لن يكون هزيمة مصر واسقاط عبد الناصر في عملية سماها الرئيس الامريكي جونسون انذاك  “اصطياد الديك الرومي “، بل سيكون احتلال الضفة الغربية لاستكمال انشاء الدولة الاسرائيلية على كامل فلسطين من النهر الى البحر وفقا لاسطورة التوراة التي تحولت عند اليهود الى حلم.

وقد كان الاسرائيليون يعتقدون انهم ارتكبوا خطأ عندما لم يحتلوا الضفة الغربية في حرب عام ثمانية واربعين. واعتبروا انه يمكن تلافي هذا الخطأ في المستقبل، وان الامر بات حلما مؤجلا، غير ان دافيد بن غوريون عرض عدة مبررات في مذكراته لتاجيل هذا الحلم، من بينها البيئة الدولية والمعارضة المتوقعة من حلفاء اسرائيل، وعدم قدرة اسرائيل على تحمل عبء احتلال مساحة اكبر من فلسطين في ذلك الحين.

كان الامريكيون ينسقون مع الاسرائيليين مجرى الحوادث ومقدماتها، وزمان المعركة وطبيعة الفخ الذي سينصب لاصطياد الديك الرومي.. ولم يكن الامريكيون يفكرون باكثر من اسقاط عبدالناصر. فذلك هدف فكر فيه الرئيس جونسون للهروب من اوضاعه المتردية في حرب فيتنام، التي كانت تحشره في ميادين القتال وتضعه في ازمة مستعصية داخل بلاده، وكان جونسون يعتقد انه يمكنه تحقيق انتصار استراتيجي في الشرق الاوسط، قد يتيح له اعادة انتخابه لفترة ثانية، خاصة وان الانتخابات ستجرى العام المقبل اي عام ثمانية وستين.

وفي المقابل كان شوق اسرائيل الذي يحرك الكثير من مشاعر مسؤوليها، هو رغبتهم في الاستيلاء على الضفة الغربية، وهومطلب مستمر كاد ان ينفذ اثناء حملة السويس، وغاب بعدها ثم عاد الى الظل وان لم يفقد جاذبيته اثناء الغياب.

ومع ذلك فقد كان الامريكيون لديهم احساس بان اسرائيل تسعى لتجاوز الهدف المشترك باسقاط عبد الناصر. فقد كان تقدير جونسون ان الخلاص من عبد الناصر يعطي لاسرائيل نصف المكاسب، ويعطي لواشنطن نصفها الاخر. وكانت لاسرائيل حسابات اخرى مؤداها، انها تستطيع ان تحصل على ماهو اكثر من النصف، اذا اضافت الى النصف الذي يخصها واحدا صحيحا لها وحدها هو الضفة الغربية والقدس. فاسرائيل كان لديها ما يكفي من القناعة بان الامريكيين لن يمانعوا في اضافة اهداف خاصة لاسرائيل، ما دامت حققت الهدف الرئيس الذي يريدونه.

وبعد عدوان السموع عام ستة وستين، بعث الرئيس جونسون رسالة الى الملك يقول فيها “ واخيرا فقد ابلغني السفير بيرنز “ السفير الامريكي في عمان “ قلق جلالتكم لان سياسات اسرائيل قد تغيرت، ولان اسرائيل تعتزم احتلال اراضي الضفة الغربية لنهر الاردن. ولئن كان في وسعي ان افهم اسباب هذا القلق، فان لدينا من الوجاهة ما يدعو للاعتقاد بانه من غير المحتمل الى حد كبير ان تقع الاحداث التي تخشونها فعلا “. ولم يكن هناك ما يدعو الملك لتصديق جونسون اوحتى الاطمئنان لما يقول، بعد ان اصبح مجرد رهينة بيد اسرائيل اكثر من اي رئيس امريكي اخر.

لقد كانت عمان اكثر من اي عاصمة عربية اخرى مضطرة لان تعيش دائما بعيون مفتوحة تحرص على ان لاتفوتها لمحة، كما تعيش باذان يقظة، تحرص على ان لاتفوتها همسه. والحقيقة ان موقف الاردن وظروفه كانت تفرض عليه ذلك، ولذلك فان عمان كانت متاكدة من تداعيات ما يجري. وان مجرى الاحداث في المنطقة كان سيؤدي الى صدام حتمي.

وانطلاقا من واجبه القومي، بعث الملك في الثامن والعشرين من نيسان عام سبعة وستين رسالة الى الفريق عبد المنعم رياض رئيس هيئة اركان حرب القيادة العربية الموحدة، يستدعيه الى عمان بالسرعة الممكنه. ومؤدى ما قاله الملك للفريق رياض، ان لديه معلومات مؤكدة ويقينيه، بان فخا يدبر لمصر، وللرئيس عبد الناصر. فهناك محاولة لتوريطهم في حرب لا تلائمهم ظروفها. والفكرة الاساسية هي اشعال الجبهة السورية، بما يعني رد مصر وتوريطها، فالهدف هو مصر وليس سوريا. واعترف بعد وقت، محمد حسنين هيكل بصحة ذلك وسماها “ حرب التوريط “

وضاع ما قاله الملك، بين زحام الاحداث والاوهام، وعدم تقدير الموقف وخطأ الحسابات.

وتدافعت الاحداث بعد ذلك وانفجر البركان ليضرب بحممه في الجهات الاربع، بعضها كان فوق السطح مرئيا، والبعض الاخر يمكن الاحساس به دون ان تراه.. وفي اليوم الاول للحرب، اجتمع مجلس الوزراء الاسرائيلي واتخذ قراره المنتظر وبالاجماع باحتلال الضفة الغربية. وقال ليفي اشكول رئيس الوزراء “غدا في القدس “.

وللحقيقة فان اسرائيل دون غيرها كانت هي الطرف الذي يعرف مطالبه ويعرف الموقف الامريكي وما يكفيها من مصر. كما كانت تعرف اولوياتها : الاردن اولا ثم مصر رغم ان بداية العمليات ستكون ضد مصر لتنفيذ مطالب امريكية ملحه.

وكان المغفور له، هو ايضا يعرف اولويات اسرائيل وحجم الرؤية والمساحة والافق في المنطقه. فقد كان يعرف قدرة اسرائيل العسكريه، وخصوصا اذا كان هناك ضوء اخضر والتزام من واشنطن. ولذلك كانت اعتقاداته واجبه، وما احس به صحيحا، وحساباته كانت دقيقة. انه نوع فريد من الرجال الذي لايتكرر، رحمه الله.

تلك كانت زيارة خاطفة للتاريخ، مررنا فيها على جزء يسير من الحوادث دون الدخول في اعماقها. فلايزال لهذه الحوادث مفعولا مزلزلا على واقعنا، ولعل في ذلك بعض العبر، وتنبيها الى صحيح التاريخ وليس الى غطائه المضلل.

أضف تعليقك