آراء حرة

نوار الملح ولوز العيون

الخميس ١٦\٠٢\٢٠١٧

رمزي الغزوي

عندما وقع الملك المعتمد بن عباد أسيراً في قبضة يوسف بن تاشفين، ذاق الأمرين بحبسه في مدينة أغمات المغربية. ولما ضاقت عليه الحال؛ قالت له زوجته المدللة: والله ما رأيت معك سروراً قط؛ فتبسم ونظر في عينيها اللوزيتين بحسرة دامعة وهمس: ولا حتى يوم اللوز.

المعتمد بن عباد وهو أحد ملوك الطوائف في أندلسنا الغابرة تزوج فتاةً من الشمال، حيث الجبال العالية المعممة بالثلج، ولأنه أحبها حباً جماً، فلم يرد لها طلباً، ولم يعص لها أمراً، فعندما طلبت منه أن يجلب لها الثلج، حول ربوع قصرها، إرتبك كثيراً؛ فبلاده دافئة لا يأتيها الثلج إلا نادراً، فعمد إلى زراعة الأراضي الشاسعة حول القصر بأشجار اللوز، وعندما تنوّر هذه الأشجار، تغدوجميعها بيضاء بلون واحد فيقول لها المعتمد: دونك يا حبيبتي كل هذا الثلج لك.

دعونا من الزوجات اللواتي يتناسين فضائل الأزواج وخيراتهم، فيطمرن الحسنات، ويشعن السيئات، مع أول زوبعة في فنجان تحدث بينهما!، ودعكم من العيون اللوزية أيضاً، فالرجال كذلك في أغلب أجناسهم، ينسون أيضاً شكل عيون زوجاتهم وألوانها، بعد أقل من بضع سنوات زواج.

وعلى ذكر العيون المنسية يعن على بالي شجر اللوز يغرد خارج سرب السكون والمطر والبرد، فيشب بنواره ونوره الأبيض كنجمة صبح، فهو الشجر الجريء الشجاع كجرأة الأزواج الذين يصرحون بجهلهم بلون عيون زوجاتهم، وقد كانوا يفتنون بها في ما مضى.

اللوز شموخ طموح يغافل جبهات الشتاء، ويخاتل بعض خيوط شمس شباط المتساقطة من فروج الغيم؛ فيطرح نواره المتلألئ، فيندغم مندغماً مع خيالاتنا وكأنه ندف ثلج هابطة من قطن السماء!  لكنه وللأسف، ما أسرع ما يتساقط هذا النوار، ويذبل وتذروه الرياح في الأرجاء الباردة، فتنساه الناس كما يتناسى الأزواج شكل عيون زوجاتهم المغبونات!.

هذا الشجر الفريد الذي ينوّر قبل كل الشجر، وكأنه يتعجل ثماره فيلهث وراء عطاء قريب كحلم، أو كأنه يعلن شيبته قبل شبابه، أو كأنه يحمل كفنه في بذرة ميلاده، هذا اللوز سيمنحنا ثمراً طيباً بعد النوار، وليس مثل أولئك الذين لا نوارعندهم أصلاً، إلا نوار الملح والكذب الأبيض المحشو بكل ألوان الطيف والحيف، ولا وعد ثمار لديهم؛ فننتظرهم على قارعة التمني والصبر، لكنهم يجرؤون علينا بسخافاتهم وترهاتهم فيطرحون أكاذيبهم البيضاء كأنها أكفان متحفزة لكل عطاء قد يلوح في صفحات البال.

بعيداً عن هؤلاء المتفذلكين الكاذبين سيبقى اللوز أجرأ الشجر وأجمله، يقتحم أوج الشتاء، ويعلن أهزوجة الربيع الأولى. فمرحى للوز وثلجه، وتباً لكل الكاذبين بعطاياهم السوداء.

أضف تعليقك