ثقافة

محمد عبد الحليم عبد الله.. الأدب الإنساني في أصدق صوره

الأحد ١٧\١٠\٢٠١٠

عين نيوز- رصد/

إذا صح أن الخيال لا يكتمل إلا بالحياة، وأن الحياة لا تفهم إلا من خلال القصص التى نرويها عنها، إذن فالحياة “المبتلاة بالعناء” بمعنى الكلمة التي استعرناها من سقراط، هي حياة “تروي”، بول ريكور

في زخم المشهد الروائي والقصصي الذي كثر حوله الجدل منذ أن بدأت غواية القصة والرواية والحكي والإفتتان بمنظومتها تتوجه ناحية المتلقي، تبث فيه جوانب التأويل وأبعاد الغواية ذاتها، ظهرت كثير من الأصوات التي بصمت هذا المشهد السردي الحكائي العريق ببصمة التميز؛ وحفرت في أوراقه الخاصة أياما وأزمانا وشخوصا ورؤى جاوزت بالمتخيل العربي وقائع ما يعيشه الانسان المحكي والمسكوت عنه، وأنجز السرد العربي في هذا المجال، وفي وقت قصير للغاية حكيا، ورويا قدرله أن يكون هو صلب الحياة الأدبية التي نعيشها الآن.

ولعل هذا النهر الروائي الكبير الذي يجري في ضمير حياتنا الأدبية بروافده المتعددة والمتواترة والمتعاقبة منذ أوائل القرن الماضى لهو أبلغ دليل على عظم هذا الفيض المتدفق من نصوص الفن الروائي والقصصى المشغول بفضاءات النص الرحبة الواسعة التي استلهمت الموروث التراثي والأسطوري والواقعي، واستهدفت الانسان المعاصر بقضاياه وهمومه وصراعاته المختلفة، واستدعت وحشدت له من تقنيات الحكي والأشكال الفنية، وأساليب القص الحديثة حتى أصبح فن السرد في مجال القصة والرواية من ضرورات العصر الحديث التي لا غنى عنها في الحياة الأدبية، وأصبحت بحق هي ساحة الأسئلة الكبرى والملحة في حياتنا المعاصرة.

وقد شهد الخطاب الروائي والقصصي العربي تطورات جوهرية هامة شملت المعنى، والمبنى، والرؤية والاداة، وتعاظمت حدوده حتى شملت دهاليز النفس، ومنطقة الوعي واللاوعي، وأدق دقائق الحياة الانسانية، والبنية الفوقية والتحتية لواقع المجتمع، كما شمل التطور الروائي أيضا ملامح الشكل، وعمارة السرد والحكي، وتداخلت العناصر المختلفة للقص وامتزجت أدواتها، وتطور الاداء اللغوي للسرد القصصي والروائي، وأصبح واقع القصة والرواية العربية في رهان مع الزمن، وفي سباق معه لإضافة أبعاد جديدة تثري هذا الفن وتؤصله، ولازال التخييل العربي للحكي في تطوره الدائم المستمر، ولازال استغراق الروائي العربي في توظيف الخيال لتجسيد الواقع بشخوصه وأحداثه وايديولوجيته وقضاياه، وايقاعه المرئي واللامرئي هو المهيمن على واقع النص الروائي، كما لازال البحث مستمرا عن رؤى وأشكال جديدة للفن القصصي والروائي منذ ان تحولت المقامة الى قصة فنية، ومنذ ان ظهرت ملامح هذا الفن الوافد وامتزجت امتزاجا عنيفا بالنثر العربي الحديث، وانصهرا معا في بوتقة القصة والرواية العربية التي نراها على الساحة الآن.

وقد كان جيل الوسط من كتاب القصة والرواية في مصر، والذي ضم كل من نجيب محفوظ، ويوسف ادريس، ويوسف السباعي، وأمين يوسف غراب، وعبد الرحمن الشرقاوي، وإحسان عبد القدوس، وسعد مكاوي ومحمد عبد الحليم عبد الله، هم أصحاب الفضل الكبير في هذا التطور الذي شهدته القصة والرواية العربية، حيث أرسى هذا الجيل دعائم المشهد الروائي والقصصي المعاصر، وأقام منظومته الروائية التي كللت بحصول الرواية العربية على جائزة نوبل للآداب على يد آخر الروائيين العظام من كتاب هذا الجيل وهو الأديب الكبير نجيب محفوظ.

والمتتبع لابداعات هذا الجيل من كتاب القصة، والرواية يجد أن كل من أبناء هذا الجيل له سماته الخاصة، وطرائقه التي تميزه وسط جيله، وتناغمه المعروف به في التشكيل القصصي، ومعزوفته التي يعزف بها على أوتار خصوصيته في الشكل والمضمون.
ولأن لكل مجال مقال فإن ما يهمنا من هذا الجيل السارد المتميز هو الأديب محمد عبد الحليم عبد الله روائي الدلتا كما أطلق عليه المستشرق الفرنسي الأب جوردان مونو في بحث له نشره في مجلة ميديو عام 1966.

والتي كانت حياته في حد ذاتها نموذجا ابداعيا حكائيا استطاع أن ينهل من نبعها أعمالا أدبية فرضت نفسها على الساحة الأدبية في وقت كانت القصة والرواية تعيش مخاضها الحقيقي في ساحة الأدب.

* حياته وأدبه

ولد محمد عبد الحليم عبد الله في كفر بولين مركز كوم حماده محافظة البحيرة في 20 مارس/آذار عام 1913 وكانت وفاته بالقرب منها في 30 يونيو عام 1970، وخلال هذه السنوات المليئة بزخم الحياة المضطربة على المستوى العام والخاص، عاش محمد عبد الحليم عبد الله رحلة عمره المجهدة في أسرة ريفية فقيرة جاهدت قدر استطاعتها في توفير الحياة الكريمة لها ولأولادها. حفظ شيئا من القرآن منذ نعومة أظفاره في كتاب القرية، ثم أتم تعليمه بين معهد الاسكندرية الديني، ومدرسة المعلمين الاولية بالقاهرة، ثم التحق بمدرسة دار العلوم وتخرج منها عام 1937.

وقد برز اسم محمد عبد الحليم عبد الله في مجالات المسابقات الادبية منذ عام 1947 حين فاز بجائزة السيدة “هدى شعراوي” من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عن روايته “لقيطة”، كما فاز أيضا عام 1948 بجائزة القصة القصيرة التي أقامتها دار الهلال عن قصته “ابن العمدة”، وفاز عام 1949 بجائزة وزارة المعارف عن روايته “بعد الغروب”، كما فاز الفيلم المأخوذ عن روايته “لقيطة” بجائزة وزارة الشؤون الاجتماعية عام 1952. وفي عام 1953 فاز بجائزة الدولة عن روايته “شمس الخريف”.

وفي عام 1973 منح اسم محمد عبد الحليم عبد الله وسام الجمهورية تقديرا له على دوره الكبير الذى أسداه للأدب وللحركة الروائية والقصصية فى مصر.

قدم محمد عبد الحليم عبد الله خلال حياته الأدبية عددا كبيرا من الأعمال الروائية والقصصية والنقدية والحوارية، منها أربعة عشرا عملا روائيا هي على الترتيب: “لقيطة” 1947، “بعد الغروب” 1949، “شجرة اللبلاب” 1950، “الوشاح الأبيض” 1950، “شمس الخريف” 1951، ” غصن الزيتون” 1955، ” من أجل ولدي” 1957، “سكون العاصفة” 1960، “الجنة العذراء” 1963، “الباحث عن الحقيقة” 1966، “البيت الصامت” 1966، “للزمن بقية” 1969، “قصة لم تتم” 1971. هذا إلى جانب تسع مجموعات قصصية هي: “النافذة الغربية” 1954، “أشياء للذكرى” 1956، “الماضي لا يعود” 1956، “ألوان من السعادة” 1958، “الضفيرة السوداء” 1965، “حافة الجريمة” 1966، “خيوط النور” 1967، “أسطورة من كتاب الحب” 1968، “جولييت فوق سطح القمر” 1970. كما صدر له ثلاث كتب نقدية وحوارية بعد وفاته هي: “لقاء بين جيلين” 1973، “قضايا ومعارك أدبية” 1975، “الوجه الآخر” 1977.

وقد ترجمت بعض أعماله الى العديد من اللغات الأجنبية، كما تدخلت الدراما والسينما في تحويل العديد من أعماله الروائية الى أفلام سينمائية، وأصبح بذلك من الأدباء الذين انضموا بابداعهم الروائي والقصصي الى قافلة الأفلام الروائية. وهكذا أصبح ابن كفر بولين مركز كوم حماده واحدا من أشهر كتاب القصة والرواية في مصر والعالم العربي، وأصبح اتجاهه الأدبي يقف على قدم المساواه مع هذا التيار الذي كان يتزعمه المنفلوطي ومحمود كامل المحامي في فن القصة والرواية وهو التيار الرومانسي الذي ارتبط بأعمال العديد من كتاب هذا اللون من الإبداع، والذي تحّول بعد ذلك إلى الواقعية من خلال العديد من الأعمال الروائية والقصصية.

* إتجاهه الأدبي

لقد كان محمد عبد الحليم عبد الله علامة هامة في مسيرة الرواية والقصة العربية وذلك منذ أن ظهرت قصته الطويلة “لقيطة” عام 1947 وحتى صدور روايته الاخيرة “قصة لم تتم” والتي لم تستكمل فصولها بسبب رحيله المفاجئ عام 1970، إذ أنه كان وسط جيله من الروائيين والقصاصين يمثل اتجاها له خصوصيته اتكأ فيه على أزمة الانسان الفرد بوجوهها المتعددة وسط رحابة الواقع وجهامته.

كما أنه اهتم اهتماما كبيرا بعمق المشاعر والاحاسيس الانسانية، وما تنبض به العواطف من انفعالات ورؤى ذاتية، وكشف عن كثير من أطوار النفس البشرية، والنوازع النفسية التى تحكم أغوارها العميقة، وقد أخلص لهذه المهمة منذ البواكير الاولى لفنه في أواخر الاربعينات، واستمر يعزف على النغم العاطفي المتوهج قرابة ربع قرن من الزمان محاولا في كل مرة أن يضيف لمسة أو يبتدع ايقاعا، وأن يثري الفن القصصى والروائي برحابة التجربة الانسانية التي اضطلع بمسؤولية تمثيلها في واقع الرواية العربية، حيث وهب من صفاء الحس القصصي والروائي، والكفاءة العالية في الخلق والإبداع ما جعله يدفع بهذا الفن خطوات واسعة الى الأمام، حتى أصبحت روايات محمد عبد الحليم عبد الله ومجموعاته القصصية أكثر الكتب مبيعا واقبالا من جمهور القراء بل وتفوقت في ذلك على روايات نجيب محفوظ نفسه في فترة الخمسينات والستينات.

ولقد كان لحياة محمد عبد الحليم عبد الله الخاصة انعكاسا كبيرا على ابداعه القصصي والروائي، كما انعكست آثار الواقع الاجتماعي والسياسي المعاصر له على هذا الابداع، وكان في داخله بركان مثالي كبير تتدافع فيه الانفعالات، وتتصارع الخواطر، وتفور الاحلام والاماني، وكانت كل الصور الحلمية التي تمور داخله هي الفكر المطلق لدى أبطال قصصه ورواياته التي بلغت ما يربو على 26 عملا أدبيا.

والمتتبع لابداعات محمد عبد الحليم عبد الله في مجالات القصة والرواية والنقد يجد أن حياته الابداعية قد تشكلت خطوطها من خلال حياته الاجتماعية الخاصة الريفية والمدنية، أثناء طفولته في قرية كفر بولين، وفي معاناته من الغربة في مجتمع المدينة أثناء دراسته في مرحلة الصبا والشباب حيث كان قد انفصل عن أسرته وسنه لم يتجاوز الخامسة عشر وعاش وحيدا بالقاهرة يلتمس العلم والمعرفة، وكان إحساسه بالغربة في هذه السن المبكرة، مع الحرمان المادي والمعنوي وبعده عن الاهل والاصحاب دافعا الى التأمل في هذه المتناقضات التي تحفل بها حياة المدينة الواسعة المزدحمة المليئة بالصخب والعنف والتعقيد.

كما كان احساسه بالفقر والحاجة خاصة وقد كان أعمامه على شيء من المال والثراء وكان ذلك دافعا له الى الشعور بالتمرد والثورة الدائمة خاصة حين يرى والديه في معاناتهم وكدهم لتوفير الحياة البسيطة له ولاخواته، بينما بقية عائلته تعيش في بحبوحة من العيش ميسورة الحال، وكانت أحلامه الطموحة خلال سنين عمره المختلفة هي البحث الدائم المضني عن طريق للخلاص، ومحاولة الوصول بأي صورة إلى المدينة الفاضلة.

فكان إبداعه الأدبي يتأرجح بين الشك واليقين، وبين الخير والشر، وبين الثورة والتمرد والجنوح إلى الرومانسية والعاطفة الجياشة، والبحث عن الحق والخير والجمال وسط جو مشحون بالهموم والمعاناة والواقع المادي المزري. كما كانت طبيعته الخاصة الهادئة التي تشكلت من خلال حس مرهف وذوق مصقول، وتناول شاعري، وحساسية زائدة، وميل إلى الحرية، ونزوع إلى العاطفة أثره الكبير في ظهور أعماله القصصية والروائية وهي تحمل هذا الزخم من الانفعالات والمشاعرالإنسانية المتدفقة.

علاوة على أنه كان منذ صغره يحمل على كتفيه هموم قريته وآلامها، ويحمل في أعماقه روحها وأحلامها حيث ترسبت في أعماقه ملامح الروح الشعبية كأي قروي عاش في الريف المصري، وتشبع بحياة هذا الريف قلبا وقالبا. كما أن المحكات القوية التي تعرض لها محمد عبد الحليم عبد الله في سنوات عمره المبكرة كانت هي الأخرى لها تأثيرها وبصمتها وانعاكسها على الاهتمام بقضايا المجتمع والفرد في ابداعه القصصي والروائي خاصة حينما تطورت مسيرته الروائية والقصصية واقترب بها من حدود الواقعية. وكما قال عنه الأب جوردان مونو في نهاية دراسته التي نشرها في منتصف الستينات: “الإنسانية! هذه هي الصفة اللازمة لمحمد عبد الحليم عبد الله. إنه رجل يكتب للكائنات الحية. يكتب للبشر ليستزيدهم إنسانية.

وعند بلوغه الخمسين أصبح كاتبا في أوج انتاجه غير أنه – في رأينا – لم يعط بعد كل ما نرتقبه من أصالة في الموهبة وكل ما نأمل من قلمه المغموس في بحور الخبرة. إننا نتوقع له أن يعطينا مؤلفات أعلى شأنا، سواء من ناحية الشكل أو المضمون، ولكن يمكن الجزم منذ الآن فصاعدا بأن محمد عبد الحليم عبد الله قد فرض نفسه كروائي لدلتا مصر. إنه روائي الدلتا المصرية، أي ذلك المثلث الأخضر المعلق على خريطة القطر بوساطة أكبر مدينتين في قارة أفريقيا، فمن البحر الأبيض المتوسط حتى جبل المقطم، يسبح محمد عبد الحليم عبد الله لتلك الأرض الخضراء الخصبة المليئة بالخيرات والمتناقضات. أيضا الإسكندرية والقاهرة والريف المزدحم وقد سقاها النيل.

إنه روائي الدلتا الداخلية، لأنه يقودنا إلى داخل الإنسان. وسوف نكتشف في أعماله صفحات تصف الشواطئ التي تقصفها الريح رمالا ساخنة هجرها الحب. غير أنه يضفي على الإنسان قوى رائعة وسخية تسري فيه كالنيل الذي يهب الحياة. إن مجراه بطيء أحيانا وملتو وبه وشل. ولكنه على طول إنحناءاته التي يكتسبها من الزمن، فإن رواسبه تجدد أبدا جنة عذراء”.

وقد امتزجت حياة محمد عبد الحليم عبد الله مع إبداعاته وتوحدا معا حتى أصبحا نهرا وحياة واحدة. وكان تيار فكره يتدفق، حيث تعددت المنابع وتعددت المصبات، وفاض النهر الكبير بهذا الإبداع القصصي الثري، وكان توهجه ثمرة حياة خصبة رائعة، تتضح أكثر في عناوين أعماله الروائية والقصصية ذات الدلالة الموحية. إنه الإلهام الخفي الذي يقع في النفوس المقبلة على الحياة وعلى الموت في آن واحد.

وكان ميلاد محمد عبد الحليم عبد الله مرتين وموته مرتين أيضا، كان ميلاده الأول في قريته الريفية الوادعة، وكان ميلاده الثاني حين بدأت ينابيع إبداعه تثري الحياة الأدبية، وكانت محاولة موته الأولى على يد خفافيش الحياة الأدبية الذين رأوا فيه خطرا يتهدد إبداعاتهم الجديدة التي أرادوا لها الذيوع والانتشار، فحاولوا التعتيم على أعماله الأدبية وحاولوا وأد هذه الأعمال نقديا، وأهمله النقد فترة من الزمن، وقد سبب له هذا الإهمال المتعمد جرحا لم يشف منه حتى رحيله عن الدنيا في منتصف السبعينات.

* عالمه الروائي

كشفت الدكتورة بنت الشاطئ في مقال لها بجريدة الأهرام “3|2|1961″ عن حقيقة هامة في وحدة النظرة والأسلوب في أعمال محمد عبد الحليم عبد الله الروائية حين قالت بأن الشك منذ “لقيطة” إلى “من أجل ولدي” هو العمود الفقري للبناء الروائي عند محمد عبد الحليم عبد الله، وهو ليس شكا فلسفيا يعكس صدمة الفنان إزاء الكون والمجتمع، إنما هو شك “عاطفي” صرف لا تؤيده الشواهد العقلية، بل تسنده وتدعمه طفولة ثابتة في وعي الفنان لم يتجاوزها، طفولة تعيسة ينسج خيوطها الحرمان، وكان من الممكن لهذا الشك لو لم تحدث حالة التثبيت هذه التي أغلقت على البطل باب القمقم للأبد، أن يكون مرآة لاهتزاز القيم في وجدان الشخصية القادمة من الريف إلى المدينة لأول مرة. ولكن المدينة في أدب محمد عبد الحليم عبد الله لم تكن إلا امتدادا للقرية بآثامها وشرورها.

ولقد أكدت الظاهرة – وهي هنا خيانة النساء – ولم تخلقها، وبالتالي فإن التناقض بين القرية والمدينة بمعناه الرومانسي لم يخطر على بال الكاتب، وإنما الشك في حياة أبطاله تثبيتا نفسيا لمشهد عرضي رآه في بواكير عمره”.

ولعل أقوى نماذج الخيانة والشك يبدو في رواية “شجرة اللبلاب”، فإذا كانت رواية “لقيطة” هي بداية الشك الذي أثمر الشخصية المحورية للرواية “ليلى”، فإن رواية “بعد الغروب” هي إزكاء لنار هذا الشك بعد أن استسلمت “أميرة” للأمر الواقع الذي وضعها فيه أبوها قبل وفاته.

ووافقت على الزواج من ابن عمها، تاركة حبيبها عبد العزيز يتخبط حائرا أمام حبه الضائع، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من الزواج منها، وفي رواية “شجرة اللبلاب” فقد اقترب بها المؤلف من واقعية الأحداث والشخوص وإن كان ذلك في المشاهد الجزئية، أما التيار الأساسي للأحداث فقد بقي متسما بالمثالية الفجة الكاذبة التي أدت إلى اغراق “زينب” في حبها لـ “حسني” الذي كان يقيم بحجرة في الطابق الثالث من منزل أسرتها بقلعة الكبش خلال دراسته الثانوية والجامعية “يلاحظ هنا وجه الشبه بين شخصية حسني وشخصية محمد عبد الحليم عبد الله أثناء دراسته الثانوية والجامعية في القاهرة”.

وقد دفعت مثالية “زينب” الزائدة إلى الانتحار حين أعرض عنها حسنى ولم يرد على خطاباتها إليه بالقرية في صيف أحد الأعوام، إن مثل هذا السلوك من جانب زينب وصمها بالسلبية والعجز في مقاومة الواقع فضلا عن انقطاع حسني عن الرد على رسائلها ليس سببا قويا للتضحية بحياتها من أجله.

ويمكن القول بأن هذه الروايات الثلاث، ورواية “الوشاح الأبيض” التي تصور معاناة بطلتها “درية” لتجربة حب في حياتها أغناها اتصالها بعالم الفن والغناء، تمثل تجارب الفن الروائي الأولي عند محمد عبد الحليم عبد الله، أما الميلاد الحقيقي لهذا الفن عنده فيبدو في روايته “شمس الخريف” إذ يتخفف فيها كثيرا من أثقال الرؤية المثالية، وتتضح مقدرته الفنية في الاقتراب كثيرا من الواقع الحي، وخلق شخوصه ومواقفه من هذا الواقع، والنفاذ إلى بواطنها بعين الفنان.

والصراع هنا متعدد الحلقات والأطراف، يبدأ داخل الأسرة وينتهي بها، وفي كل منها تتركز حرارته حول شخص واحد في ارتباطاته الأسرية والعاطفية، “فمختار علي” بطل الرواية ولد بالاسكندرية وعاش بها وهو صبي في كنف أمه التي كانت ترعاه بعد وفاة أبيه، ويبدو أن خلافها السابق مع أبيه كان له دخل في تشكيل هذه العلاقة، وربما ساعد على توترها تخلفه في دراسته وكثرة رسوبه، وزاد منه تعرف احدى سيدات الاسكندرية المحنكات بأمه، واختلاطها بها حتى أغرتها أخيرا بالزواج من رب اسرة يدعى “عباس” يعمل بالتعليم الإبتدائي، وكان قد استأجر غرفتين من شقة “أم مختار” في فصل الصيف.

وقد أثار هذا الزواج في نفس مختار عاصفة من الغيرة والكراهية، عبر عنه تعبيرا قاسيا أليما حين أشار إلى أن أطرف ما تمناه في ليلة الزواج الأولى أن يتخاصم كل زوجين على رقعة الأرض، فيدير كل منهما ظهره للآخر، فيختلف الشريكان، ويتنافر القلبان، وتسري العداوة والبغضاء بين الذكر والأنثى: “وتمنيت أن يبقى التدابر والتقاطع بعد ذلك إلى ما شاء الله حتى تهلك الأرض بالفناء البطيء”.

ولم تكن نفس مختار مسرحا لهذا الصراع وحده، وإنما أضيف إليه صراع من لون آخر هو صراع الحب الذي نشأ بينه وبين فتاة ريفية من عزبة خورشيد تعرف إليها حين كان يهرب من مدرسته، ويمضى إليها على دراجته ليقضي سحابة يومه هناك، ولم يزايله هذا الصراع بآلامه وأشواقه إلا حين هرب إلى القاهرة بعد أن تعب من صراعاته المتعددة، واستشعر الغربة في بيته مع أمه وزوجها، وفي القاهرة بلغت به المعاناة مبلغها حتى عين ساعي بريد بمنطقة باب الخلق، ومن خلال عمله تعرف على مدرسة سابقة، نمت العلاقة بينهما حتى استحالت حبا عميقا، ولكنه اكتشف أنها سبق لها الوقوع في الخطيئة، ودار صراع حاد في نفسه، إما أن يظل على حبها مغضيا الطرف عن ماضيها، وإما أن يقطع علاقته بها، ولكنه اختار الأولى بعد صراع شاق مع النفس.

الصراع في الرواية متعدد الحلقات ومختار هو المحور الثابت لهذا الصراع، وفي كل منها ينفذ الكاتب إلى أعماق الشخصيات ليستخرج ما يعتمل فيها من عواطف وأحاسيس، عاطفة الأمومة للابن واحساس الغيرة والحقد تجاه زوج الأم، واحساس بالحب والحنان افتقده مختار عند أمه فوجده في عزبة “خورشيد” عند “سكينة” وأبويها الكريمين، وأخيرا الحب الجنسي للأنثى بعد ان استوى رجلا يتطلع إلى حياة الأسرة.

ولعل أحب روايات محمد عبد الحليم عبد الله الى نفسه هي رواية “بعد الغروب” لأن فيها كثيرا من ذكرياته العاطفية والإجتماعية، وهو فيها يغترف من ذاتيته، ويسجل واقعه المعيش باعتماده على ذكرياته الخاصة.

وفي ذلك يقول:”انني في عملي الروائي اغترف دائما من ذكريات وتجارب عمرها لا يقل عن عشر سنوات”، ويقول: “إن حادثة حب، أو أي تجربة اجتماعية أخرى لتستأثر بكل مشاعري وأنا معايش لها بحيث يكون مثلي كمثل أي شخص لا يعرف الكتابة مع فرق واحد هو أنني أكون شديد الإحساس بها من غيري”. كما يقول أيضا: “الشخصية القصصية بالنسبة للروائي مستمدة من أعمق ذكرياته، وأصدق تجاربه، ويتم تكوينها في جو نفسي متعادل، لا يشوبه الانفعال الحاد الذي يكون بمثابة الحرارة القاتلة بالنسبة للأحياء، ولا الفتور الذي يتنافى مع طبيعة نفس الفنان، فالشخصية القصصية اذن بالنسبة للكاتب شيء” يحتضنه “في”جو نفسي “معين لصالح بعث الحياة”.

وتكاد الذاتية تعلن عن نفسها في هذه الرواية، فشخصية عبد العزيز يحب أن يكون أديبا وهو قصصى ناشئ، وهو يتخذ من الإنطواء سبيلا للرفعة كما يفعل كثير من العظماء.
وتكاد الرواية تنطبق بما كان يخفيه الكاتب في صدره من معاناة وتضحية وصبر على الشدائد، ولا شك في أن محمد عبد الحليم عبد الله كان مترجما ذاتيا لذاته، لذا فإنه عندما نقدها الدكتور عبد القادر القط على صفحات الرسالة الجديدة غضب محمد عبد الحليم عبد الله غضبا شديدا.

وشعر كأن هذا التحليل لروايته ما هو الا تعرية لذاته هو وسخرية من طريقته في التعبير: “والقصة كما ترى قصة “رومانسية” تصور سلسلة من التضحيات المفتعلة البعيدة عن واقع الحياة، فالأب يضحي بمستقبل ابنته في سبيل الوفاء لأولاد أخيه، والبنت بحبها، في سبيل الوفاء لذكرى أبيها وتحقيقا لرغبته وهو على فراش الموت تضحي أيضا بحبيبها وزينب تضحي بحبها لتسعد سيدتها فتجعل من نفسها رسولا بين العاشقين، وصالح يبذل تضحية من نوع آخر فيكلف نفسه أن يراقب بيت أميرة في إحدى الضواحي عدة أيام ليتابعها ويعلم مبلغ علاقتها بابن عمها، حتى القصة القصيرة التي كتبها الراوي داخل النسيج السردي للنص وهي قصة “سيد العزبة”، “وقد كان أديبا” ترمز إلى هذه المثالية المفرطة، فبطلها العامل الفقير يضحي بحبه لتتزوج فتاته ثريا تنتفع أسرتها الفقيرة بثروته” وتعرض الدكتور القط للمثالية المفرطة في رواية “بعد الغروب” فقال: “وقد تحسن المثالية في القصة إذا كانت ثورة على قيم زائفة وأوضاع خاطئة وصراعا بين عواطف سامية وأخرى وضيعة، أما إن كانت استسلاما مطلقا لمشاعر بنّية الانحراف فهي عيب بلا شك فيه. فإغراق الأب في الوفاء لأولاد أخيه على حساب إبنته عاطفة زائفة وأوضاع خاطئة وصراعا بين عواطف سامية وأخرى وضيعة.

أما إن كانت استسلاما مطلقا لمشاعر بنية الانحراف فهي عيب لا فيه، وتبرع زينب للتوفيق بين سيدتها وسيدها الذي تحبه هي نفسها شيء غريب وما صنعه صالح في سبيل صديقه أمر يتنافى مع الكرامة والجد.

وقل ذلك في سائر التضحيات التي تحفل بها هذه القصة. وأبطال القصة بهذه المثالية الزائفة يتنكرون لانسانيتهم ويذعنون لقضاء قيم باطلة تتحكم في مصائرهم دون أن يكون هناك على الاقل صراع عنيف قد ينتهي بالفشل أو النجاح، لكنه في كلتا الحالتين يؤكد إنسانية الشخصية وبطلان هذه القيم سواء خرجت من الصراع منتصرة أو مخذولة”.

وفي رواية “من أجل ولدي” يقدم عبد الحليم عبد الله صورة جديدة مختلفة عن الاتجاه المثالي الرومانسي الذي حفلت به أعماله السابقة في أنها تمثل صورة الصراع النفسي المحتدم داخل الأسرة، حيث يجسد في هذه الرواية عجز الشخصية عن ايجاد التوازن بين الاحساس بالواجب الذي يفرضه الانتماء الى الاسرة، وبين رغبات الشخصية الخاصة، وهي بين هاتين القوتين المتنازعتين أشبه بخيط رفيع، يتجاذب طرفيه من كل ناحية حتى أصبح عرضة للتلف.

ان هذا المعنى يتجلى في حياة “فؤاد” ذلك الشاب الذي اضطرته أمه الى الانقطاع عن الدراسة، وهو ما زال بالرابعة الثانوية والعمل مكان أبيه بوزارة الصحة كي يسهم في نفقات الاسرة التي تتألف من شقيقتيه “بدرية” و”سميرة”. وبإحساس الأم نحو البنت وحاجتها الشديدة الى الرعاية والامان أكثر من الابن كان هم “أم فؤاد” أن تكفل الحياة الزوجية لابنتيها أولا، حتى تطمئن على مستقبلهما في الحياة.

في ظل هذه الظروف عاش فؤاد يعاني في نفسه نوازع الهوى والحب، دون أن يستطيع ترجمتها إلى زواج، نزولا منه لرغبة أمه التي لا يستطيع مخالفتها، وإحساسا بثقل المسؤولية الملقاه على عاتقه في الوقت نفسه، وكثيرا ما حدثته نفسه بالتمرد على هذاالوضع، لا سيما وان أمه كانت تعامله كما لو كان طفلا ينبغى أن يحاسب على كل شيء، فلما خلا قلب الأم من هموم ابنتيها، راحت تتطلع الى فؤاد لكي يسعد بالزواج ولكن لهفته واحساسه بذلك كان قد إنطفأ، وربما كان للعلاقة الجنسية بينه وبين جليلة – لسيدة التي كان يتردد عليها لسداد أقساط الدين – أثر كبير في ذلك. ولعل هذه العلاقة الجنسية غير المشروعة التي صورها محمد عبد الحليم عبد الله في مواضع متعددة من الرواية هي أول ما نصادفه له في هذا الجانب، متجاوزا به السلوك الأخلاقي المحافظ المتواجد في أعماله السابقة، ما عدا “غصن الزيتون” التي كانت تفوح منها الخطيئة الجنسية بطريقة فجة غير مبررة.

ولعل رواية “من أجل ولدي” والرواية التي تليها “سكون العاصفة” تمثلان بداية تحول جديد في التعبير الروائي في مسيرته الروائية حيث بدأ الاهتمام بالعاطفة والمثالية والرومانسية يحتل المرتبة الثانية في هذا الاهتمام وتحل محله الرؤية الاجتماعية الواقعية.

ففي رواية “من أجل ولدي” يجسد الكاتب في مضمونها العام كفاح الطبقة المتوسطة من أجل التطلع الى الارتفاع بمستواها الاجتماعي، وما يعوق هذا التطلع من أمراض اجتماعية متفشية بين الشخصيات الرئيسية للرواية مثل السكر الدائم للأب، والانحراف السلوكى للابن واتجاهه الى العلاقات الجنسية وقرناء السوء وغير ذلك من الامراض التي ترتبط بالعلاقات الاجتماعية بين الافراد.

وفي رواية “سكون العاصفة” نجد نفس الاتجاه في مضمون هذه الرواية التي تتناول إلتقاء القرية بالمدينة عقب الحرب العالمية الثانية، كما تناقش المادية والروحية وأيهما أكثر ملائمة للانسان، كما تناقش أيضا التعصب الطبقي لمن يملكون الريف، وتتناول الأسرة في تشعب اتجاهاتها في الحياة، والتضارب الذي تمثله بعض شخصيات الرواية خاصة الابن شكري المسرف في الحسية، والابنة سوسن الجانحة الى الروحية.

حيث الصراع بين المادة والروح ينعكس على ممارسات أفراد الاسرة. فالجنس يجرف معه شكري فيمارسه باندفاع مع الساقطات والعشيقات حتى ينتهي به الأمر الى الاصابة بالسل.

كذلك زوجة الجار يجرفها الجنس فتمارسه مع مدير الشركة التي تعمل بها. من ناحية أخرى نجد أن العاطفة تدغدغ عواطف الابنة سوسن إزاء وحيد إثر لقائها به بعزبة قريب لهم وينتهي هذا اللقاء بالزواج.

وعلى الرغم من أن الرواية تعطي لنا نماذج للمرأة في صور متعددة وتعالج قضية اشتراك المرأة في العمل بجانب الرجل وحدود هذا العمل وما ينتج عنه أحيانا من مشاكل اجتماعية داخل الأسرة وخارجها، فإننا نجد أن التيار العاطفي في الرواية ما زال متواجدا وإن كان لا يمثل البنيان الأساسي للأحداث كما بدت كمظهر حتمي في الروايات السابقة.

وتلتقي رواية “البيت الصامت” مع الرواية السابقة في ارتكاز أزمتها على عنصر الخطيئة الاخلاقية، وان كانت تختلف عنها في الظروف التى أحاطت بها، فهي في “غصن الزيتون” وقعت أساسا بمحض اختيار الشخصية، ثم جر الخطأ إلى خطإ غيره الى أن كانت النهاية الأليمة، أما هنا فقد وقعت الشخصية في الجريمة مكرهة، وفي سن مبكرة لا تعي فيها آثارها تماما.

ومن هذا المنطلق استطاع محمد عبد الحليم عبد الله أن يلج أعماق النفس الانسانية المحبطة، التي أدتها جريمة ارتكبتها قهرا أو ارتكبت معها رغما عنها، ومع ذلك تحملت تبعتها وعاشت أيامها تحت وطأتها، وحين أرادت رفع حصار الصمت الرهيب المضروب حولها، والعودة الى حياة الانسان الطبيعية انزلقت الى خطإ آخر صنعته في هذه المرة باختيارها، وكان لابد أن تدفع حياتها في النهاية ثمنا لذلك.

وفي رواية “الجنة العذراء” وهي الرواية التاسعة في مسيرة محمد عبد الحليم عبد الله الروائية حيث تمثل هذه الرواية أهمية خاصة انطلاقا من أنها تعالج مشكلة الصراع بين قوى الخير والشر والقهر الاجتماعي في الريف والمدينة، والمواقف الوطنية التي تتفاعل مع قضايا المجتمع، وصحوة الضمير الانساني العاجز تجاه قوى الشر الغاشمة، وقد تناول هذا الموضوع العديد من كتاب الرواية حيث جسدوا محنة الريف المصري والظلم الاجتماعي تجاه الفلاحين وهموم القرية كل من زاويته الخاصة، “الأرض” للشرقاوي، “زينب” لهيكل، “عذراء دنشواي” لمحمود طاهر حقي، “الحرام” ليوسف إدريس، إلا أن محمد عبد الحليم عبد الله قد تجاوز بالصراع الفردي في “الجنة العذراء” من الصراع الفردي داخل الأسرة الى الصراع الشامل، مادي كان أم روحي حيث الحياة الإنسانية كلها – في زمن الحرب – تتصارع من أجل البقاء، وحيث شريعة الغاب هي المتسلطة بشعارها المعروف “البقاء للأصلح”. ان شخصية “حمودة” في “الجنة العذراء” هي رمز للظلم الاجتماعي بأبشع صوره كما صوره محمد عبد الحليم عبد الله، إذ كان لا يستطيع ان يتعايش مع الناس البسطاء في أمن وسكينة، بل كان يمارس القسوة مع الجميع، حتى مع أبيه وأخيه، حتى أنه يصاهر قوم لهم في الشراسة باع، ويسعى ليتشبه بهم ليكون أكثر صيتا وسمعة في مجال الجبروت والعنف والتسلط.

وفي روايتي “الباحث عن الحقيقة” و”للزمن بقية” نجد أن محمد عبد الحليم عبد الله قد اتجه في هاتين الروايتين اتجاها جديدا للتعبير عن الواقع باستخدام الرمز والتاريخ وان كان لم يخرج عن الخط الأساسي الذي بدأه منذ أولى رواياته، فهو لازال في بحثه الدؤوب عن المدينة الفاضلة الخالية من الظلم، وبحثه عن الحقيقة، وبحثه عن طريق للخلاص.

تبدو رواية “الباحث عن الحقيقة” نمطا متميزا بين أدبه الروائي، ربما لتفرد موضوعها، أو انتمائها للتاريخ، أو لطريقة بنائها الفني. إذ تعتمد الراوية على عدد من الشخصيات الأساسية تقوم بجانبها شخصيات ثانوية تؤدي دورها المرسوم في البناء الفني للرواية.

وأول الشخصيات الأساسية أو الشخصية المحورية فيها هو “سلمان الفارسي” الذي نلتقي به منذ شبابه كابن لدهقان فارسي يحكم قريته حكما وظلما، ويتطلع لرؤية ولده كاهنا في بيت النار المقدسة التي يعبدها المجوس، ومن هذا البيت تبدأ رحلة البحث عن الحقيقة التي يقوم بها “سلمان” شوقا للنجاة من واقع مرير على المستوى الشخصي والمستوى الاجتماعي، فعلى المستوى الشخصي يبدو قلق “سلمان” وعدم رضائه عن العقيدة التي ورثها، ويرى في نفسه خواء وفراغا روحيا كبيرا، وعلى المستوى الاجتماعي تبدو مظالم الحكام الفرس ممثلين في “أبيه” مثيرة للتمرد والسخط والغضب، وهكذا تتخمر في نفس “سلمان” فكرة البحث عن الحقيقة، وتجاوز الواقع المظلم الى واقع أكثر اشراقا وعدلا ويقينا.

والرحلة التي يقوم بها “سلمان” مضنية وشاقة تبدأ بغضب والده عليه وتقييده وسجنه، ثم هروبه مع قافلة عربية ثم وصوله الى الشام وهناك يلتقي لقاء حاسما ومؤثرا مع “عابد عمورية” الشخصية الثانية في الرواية، وبعدها يتعرض للمهانة والغدر والرق على يد “يهود” فينتقل من ملكية يهودي الى آخر حتى ينتهي به المطاف الى الوصول الى الحقيقة واليقين والاسلام على يد النبي – صلى الله عليه وسلم – ويواصل مسيرته الاسلامية مجاهدا من أجل الحقيقة، حتى عودته الى ولاية بلد فارسي بعد الفتح الاسلامي في عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه.

الرواية هي النمط التاريخي الوحيد في رحلة محمد عبد الحليم عبد الله الروائية، وهي بمضمونها العام ومعناها الأدبي تضم إليها كل مضامين رواياته السابقة، إذ أن البحث عن الحقيقة الغائبة هي محور معظم روايات محمد عبد الحليم عبد الله إن لم تكن محور كثير من كتاب جيله والجيل الذي سبقه والذي يليه، والرواية بها رؤية تنبؤية مستقبلية وضحت آثارها في الرواية الأخيرة التي كتبها محمد عبد الحليم عبد الله وهي رواية “للزمن بقية” وهي خطوة ينأى بها مؤلفها عن رواية العلاقات العاطفية ليتسنى له أن يعالج أحد موضوعات الهموم الاجتماعية إلحاحا وهو موضوع الحرية من خلال تجسيد كل الأمراض الاجتماعية التي كانت موجودة في القرية والمدينة المصرية في آن واحد، وتعرية الفساد والنفاق الاجتماعي والقهر والتسلط وابراز الزيف العفن الذي تمتلئ بهم الحياة الاجتماعية.

وتعتبر رواية “للزمن بقية” أحد الروايات السياسية الهامة التي خرجت من معطف أحد كتاب الاتجاه العاطفي، حيث عالجت قضايا لا تعتمد في نسيجها إلى القدرية كعادة محمد عبد الحليم عبد الله في معظم رواياته السابقة، بل استندت الى دوافع اجتماعية وسياسية وفردية وواقعية نقدية كشف كثير من الزيف الذي تمتلئ به ساحة المجتمع المصري والتي أدت في يوم من أيام يونيو 1967 الى الهزيمة ووقوع الوطن في براثن الامبريالية والصهيونية.

لا شك أن محمد عبد الحليم عبد الله يمثل علامة هامة في مسيرة الرواية العربية، بما أبدعه في ساحة القصة والرواية، بحيث مثلت هذه المسيرة نهجا متميزا سار على دربه العديد من الكتّاب، وكانت إبداعاته منظومة عكست وجها مضيئا لواقع مرحلة مهمة من مراحل الإبداع القصصي والروائي في مصر والعالم العربي.

التعليقات

الاثنين ٢٨\١١\٢٠١١كارلا محجوب

انا قرأت قصة الجنة العذراء و شجرة اللبلاب بصراحة لم اقرأ في حياتي مثل هذه الروايات ولم تدمع عيني مثل مل دمعت على هذه القصص التي تحاكي واقعنا بصراحة روعة ولا استطيع ان اصف مدى حبي لقرائة المزيد من روايات الدكتور محمد عبد الحليم عبد الله وشكرا

أضف تعليقك