ثقافة

الصّمت والكلام وسلطة الخوف في روايات مؤنس الرزّاز

الأربعاء ٨\٠٩\٢٠١٠

عين نيوز – رصد /

. محمّد الباردي: إنّ كلّ تيمة تخييليّة تُحدّد باعتبارها تحدّياً للمدلول المفرد، لأنّه مدلولٌ متعدد على حدّ عبارة جورج باتاي 1 . ولا شكّ أنّ روايات مؤنس الرزّاز قرئت قراءات متعدّدة 2 تختلف منهجا ونتائج.

فهي أعمال تكشف عن قدرة فائقة على تنويع التّجربة وعلى الانتقال من شكل روائيّ إلى شكل مختلف ومغاير، رغم ما يجمع بينها من سمات مشتركة تنتج رؤية واحدة هي رؤية كاتبها للعالم وللواقع الاجتماعي والسّياسي الّذي جايله. في هذه الورقة سنحاول أن نستفيد قدر الإمكان من السّرديات التذلفّظيّة الّتي وجّهت نقداً عنيفاً للسّرديات البنيويّة 3 وكذلك من نظريّة التّأويل في وقت واحد. ذلك أنّنا سنقف عند وضعيّات التّلفّظ الّتي يكون عليها الأعوان السّرديون، وسننظر في ما تحمله من دلالات، قصد تحديد رؤية العالم لدى مؤنس الرزّاز كما تبدو لنا في ثلاثة نصوص روائيّة هي اعترافات كاتم صوت وجمعة القفّاري، يوميات نكرة وسلطان النّوم وزرقاء اليمامة .

1. لا شكّ أنّ هناك نظريات حديثة تقول ن على حدّ عبارات أمبرتو إيكو بانّ القراءة الوحيدة الجدّية للنّصوص هي قراءة خاطئة، والوجود الوحيد للّنصوص يكمن في سلسلة الأجوبة الّتي تثيرها، فالنصّ كما يشير إلى ذلك طودروف بمكر..هو نزهةٌ يقوم فيها المؤلّف بوضع الكلمات ليأتي القرّاء بالمعنى، ولكن هناك من يعترض بالقول إنّ البديل الوحيد لنظريّة خاصة بالتّأويل الجذري الموجّه نحو القارئ هو ما يدعو إليه القائلون بأنّ التّأويل الوحيد الصّحيح هو ذاك الّذي يروم الإمساك بالمقاصد الأصليّة للمؤلّف 4 . وإذا كانت قصديّة النصّ تكمن أساساً في إنتاج قارئ نموذجيّ قادر على الإتيان بتخمينات تخصّ هذا القارئ،فإنّ مبادرة هذا القارئ تكمن في تصوّر كاتب نموذجيّ لا يشبه في شيء الكاتب المحسوس، بل يتطابق مع استراتيجيّة النصّ 5.

2.1. تبدو لنا الرّوايات الثلاث الّتي صدرت في مراحل متباعدة نسبيّا1986، 1990، 1997 نصوصاً أساسيّة لفهم عالم مؤنس الرزّاز الرّوائي وتحديد علاقته بالمرجع. لا يظهر حضور الكاتب في هذه النّصوص إلا بالقدر الّذي يجعلنا نؤكّد أنّ الكاتب مهما حاول الاختفاء وراء الأعوان السّرديين يخترق ظلّه نسيج الكلام، وفي كلّ الحالات يظلّ حضوره ذا دلالة عميقة بالنّسبة إلينا ونحن نحاول أن نؤوّل هذا العالم الرّوائي الّذي بناه. لا شكّ أنّ من يعرف مؤنس الرزّاز عبر سيرته الذّاتيّة، يدرك أنهّ ليس بعيداً في رواية مذكّرات كاتم صوت عن مروياته. فهو ليس شخصيّة من شخصياتها ولكنّ الإحالة المرجعيّة للمرويات تؤكّد أنّ الكاتب ليس غريباً على التّجربة الّتي عاشها الدكتور مراد في الحكاية. كما يظهر المؤلّف على سبيل خرق ميثاق القراءة في رواية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة ألست الأستاذ ميم الصّحافي والرّوائي؟ أومأت برأسي أن نعم.. لكنّه في حالة يائسة. وأنا قد أستطيع أن أساعده بالكتابة عن قضيّته 6 ولكنّها مع ذلك تسرّد موقفاً من العالم لا ينفكّ مؤنس الرزّاز يعبّر عنه في رواياته وفي شهاداته.

3.1. في هذه الرّوايات يتغيّر شكل السّرد من رواية إلى أخرى ويتنوّع الأسلوب وتتبدّل أنماط الشّخصيات ولكنّ الخطاب الفكري واحد لا يتغيّر فهي إذن تنويعاتٌ على خطاب واحد. تبدو لنا عناوين هذه الرّوايات الثّلاث عناوين مغالطة، فبقدر ما أراد الكاتب، واضع هذه العناوين الإعلان عن المحتوى السّردي لرواياته، بدت لنا مضلّلة، إذ لا يتطابق العنوان مع المحتوى السّردي لهذه الرّوايات تطابقاً كاملاً. ذلك أنّ اعترافات كاتم صوت في الرّواية الأولى هي جزء من الرّواية ولا تمثّل الرّواية ذاتها إذ تجمع بين يوميات الشّخصيات والمقاطع السّرديّة التّقليديّة واعترافات رجل يحترف القتل وهو يوسف، وفي رواية جمعة القفّاري: يوميات نكرة لا أثر لليوميات بمعناها الاصطلاحي.

فالنصّ سردٌ روائيٌّ في جلّ مقاطعه، وإن كان يتعلّق أساساً بشخصيّة مركزيّة هي شخصيّة جمعة القفّاري. أمّا في رواية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة فلا تمثّل هاتان الشّخصيتان إلاّ جزءا من المضمون السّردي فيها، فهو يتضمّن شخصيات أخرى لا تقلّ أهمّية في حضورها ودلالتها عن شخصية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة. لا شكّ أنّ مثل هذه العناوين تندرج في نطاق المناورة الّتي يصرّ المؤلّف على إحداثها في علاقته بقرّائه الّذين يظهرون في بعض هذه الرّوايات، ويجادلون المؤلّف في بعض تصوّراته الفنّية، كأن يقول أحدهم لا أرغب في مقتل أحمد والأم والصّغيرة. اسمح لي أن أشاركك الكتابة وأقترح إنقاذ الصّغيرة على الأقلّ من كاتم صوت 7 ولكنّها مناورة أساسها الالتباس الّذي يظهر في مستويات عديدة شكليّة ومضمونيّة، لنتأكّد في النّهاية أنّ الخطاب الرّوائيّ في نصوص مؤنس الرزّاز خطابٌ قائمٌ أساساً على الالتباس.

2. يظهر الالتباس أوّلا في مستوى شكل السّرد الّذي يختاره المؤلّف في رواياته. فالرّواية الأولى خليطٌ من اليوميات أو ما يشبه اليوميات والاعترافات ومقاطع سرديّة روائيّة ومونولوجات وحوارات. ورواية جمعة القفّاري: يوميات نكرة هي مقاطع تجمع بين اعترافات الشّخصية المركزيّة وشهادات شخصيات أخرى أحاطت بهذه الشّخصيّة. أمّا رواية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة فهي سردٌ روائيٌّ خالصٌ.يمكن أن ننظر إلى هذه المسألة من زوايا مختلفة منها على سبيل المثال أنّ الرّواية الّتي يكتبها مؤنس الرزّاز تريد أن تفعّل مقولة التعدّد الصّوتي والحواريّة الخطابيّة. وعندئذ تظهر لنا روايةً تتعدّد فيها أشكال السّرد وأنواع الخطابات والأصوات السّرديّة. وبهذا المعنى نفهم الملحق الّذي يظهر في نهاية رواية اعترافات كاتم صوت عندما تنبثق أصواتٌ متعدّدةٌ تناقش الرّواية وتعترض على مصائر أبطالها.

وهي أصوات المؤلّف والقرّاء المتعدّدين. ومنها أنّ هذه الرّواية تنزع منزعاً تجريبيّاً واضحاً، فهي لا شكّ تخرج على الأنماط السّرديّة التّقليديّة، وتكسر الأنماط السّائدة وتبحث عن شكل مغاير.كذلك يظهر هذا الالتباس في مستوى التّعامل مع الأنواع الأدبيّة، ذلك أنّ الحدود الفاصلة بين السّيرة والرّواية والشّهادة والتّخييل الذّاتي والمذكّرات واليوميات تبدو ملتبسةً وغامضةً.إنّ هذا الالتباس يتعقّد من جهة السرديات التّلفّظيّة. فالسّؤال الأوّل الذّي يُطرحُ دائما يتعلّق بنوع السّارد. وما يطرحه نصٌّ تخييليُّ هو من يتحدّث؟ وهذا السّؤال يرتبط بأسئلة أخرى أهمّها ما هي الرّؤية الّتي يتبنّاها المتكلّم في هذا السّياق أو ذاك؟ 8. ذلك أنّ هذه الأشكال السّرديّة تعرض عددا من المتكلّمين والسّاردين داخل النصّ الواحد.

فيمكن أن نحكيَ بقدر أكثرَ أو أقلَّ ممّا نحكيه، ونحكيه من وجهة النّظر هذه أو تلك، على حدّ عبارة جيرار جينات9. وعندئذ يطرح السّؤال في روايات مؤنس الرزّاز: هل تتغيّر وجهة النّظر بتغيّر المتكلّم داخل النصّ ام يتغيّر المتكلّمون وتظلّ وجهة النّظر واحدة؟ سنكتفي في هذه الورقة بطرح إشكاليّة واحدة تتعلّق بوضعيّة المتكلّم في هذه الرّوايات الثّلاث. وهي إشكاليّة الصّمت والكلام، لنستنتج أنّها إشكاليّة تتعلّق بدورها بسلطة الخوف الّتي تهيمن على المرويات في هذه الرّوايات.

3.يسمح الضّمنيُّ بوضع مسارين للتّواصل غير المباشر وهما مسار الإخفاء ومسار الكشف. وهو يرمي إمّا إلى تلافي أن يقول سيئاً بصفة مباشرة أكثر من اللّازم أو ليقول شيئاً لا يستطيع أن يقوله بطريقة أخرى.في الحالة الأولى يكون الصّمتُ إراديّاً، فلا الوضعيّة ولا السنّة ولا السّجلّ تسمح للمتكلّم أن يقول ما يعلم أو ما قد يعلم قوله. ويجبره نتيجة ذلك على الإخفاء والكشف. وفي الحالة الثّانية يكون الصّمتُ لا إراديّاً ويكون حالة عجز. فالخطاب الّذي يريد أن يعبّر عمّا لا يمكن أن نعبّر عنه وما لا يعرف الكلام أن يقوله، بدون أن يصل إليه ، يجد نفسه محكوماً عليه بالصّمت 10 .

وإذا قبلنا أطروحة رينه ريفارا الّتي تؤكّد أنّ السّرد لا يكون إلّا وفق نمطين اثنين لا ثالث لهما وهما السّرد السّير ذاتي والسّرد الّذي لا اسم له. في النّمط الأوّل يتكلّم السّارد بضمير المتكلّم ويتكلّم السّارد في النّمط الثّاني بضمير الغائب، في النّمط الأوّل يكون موضع السّارد ورؤيته للأشياء محدودين، إذ لا يستطيع أن يرى إلّا ما له به صلة وفي النّمط الثّاني يملك السّارد مجالاً واسعاً من الحرّية إذ يملك المعرفة الكلّية بالأشياء والشّخصيات بل بالعالم الّذي يرويه11.إذا قبلنا هذه الأطروحة، نلاحظ أنّ المؤلّف يجمع في رواياته الثّلاث بين نمطي السّرد.

وإذا كانت صيغة اليوميات أو المذكّرات تحيل على نمط السّرد السيرذاتي أو الأوتوبيغرافي، فإنّ المؤلّف لا يلتزم به إذ سرعان ما يترك هذا النّمط السّرديّ لينتقل إلى النّمط الثّاني. ولذلك يتعدّد المتكلّمون في الرّواية الواحدة. ففي رواية مذكّرات كاتم صوت، تظهر مقاطع سرديّة أشبه باليوميات. فكلّ يوم خميس تسجّل الشّخصيات الثلاث المحكوم عليها بالإقامة الجبريّة، خواطرها وانفعالاتها وأحلامها على إثر المكالمة التلفونيّة الّتي تتلقّاها من ابن العائلة أحمد. تؤكّد هذه اليوميّات العزلة القائمة بين الشّخصيات الثّلاث، إذ لا تقدر على أن تعبّر عن هواجسها وانفعالاتها فيما بينها، ولكنّها تختلي بنفسها لتسجّل يومياتها. وعندئذ لا يكون متلقّي هذا الكلام الّتي تقوله الشّخصيات إلا قارئاً مفترضاً داخل النصّ.

لكنّ اعترافات كاتم صوت تقتضي بحكم طبيعة خطابها متلقّياً. لكنّه في الحقيقة متلقّ مزدوج، فهو شخصيّة داخل النصّ سلافة او سيلفيا وهو من ناحية ثانية القارئ المفترض داخل النصّ. ولكنّ الخطاب في حدّ ذاته لا يختلف عن خطاب الشّخصيات الأخرى. فإذا كان الختيار وزوجته وابنتهما لا يقدرون على المكاشفة والتّواصل بالقدر الكافي، فالتجؤوا إلى اليوميات الشّخصيّة، فإنّ كاتم صوت يوسف اختار أن يعترف لإمرأة لا تسمع. ولذلك تدخل الاعترافات من أذن لتخرج من إذن أخرى، ولا يحدث التّواصل الضّروريّ بين المتكلّمين أو المتلفّظين .

لكنّ هذا الخطاب المونولوجي يتقاطع مع خطاب السّارد الّذي لا اسم له أي هذا السّارد العالم العليم الّذي يمتلك القدرةَ على احتواء خطابات المتكلّمين وكشف هواجسهم ونقل أقوالهمرنّ جرس الهاتف فهرعت أمّ أحمد إليه وهتفت لا بدّ أنّه أحمد، وجاءت نبوءتها في محلّها. إذ كان أحمد يتحدّث من بيروت.كذب أحمد على أمّه ألف كذبة وكذبة واحدة12 وهو ما يفترض ضرباً من الالتباس، يتأكّد عندما يتعلّق الأمر بخطاب الملازم أو خطاب يوسف ، كاتم صوت، والملازم نفسه يكون سارداً متكلّما في ما يشبه اليوميات الّتي يسجّلها وهو يراقب منظوريه في البيت الغريب انّه مازال يكتب وهو يعلم علم اليقين بأنّنا سنصادر المخطوطة . زوجته بدأت تعاني من فجوات في الذّاكرة.

نظرت زوجته إليه بعين نصف مغمضة وقالت:ألن تقوم إلى الفراش ؟ السّاعة تجاوزت منتصف اللّيل13 ولا يحقّ لنا أن نتساءل كيف ينقل كلام الزّوجة ويصف عينها نصف المغمضة وهو في هذه الحالة سارد اوتوبيغرافي، لأنّ البيت مجهّز بآلات التّصوير والتّصنّت. ولكنّه بعد المقطع مباشرةً يصبح الملازم موضوع السّرد عندما ينتقل إلى سارد مجهول الاسم الرّغبة تشبّ في جسد الملازم ولا تخمد، وشهيّة الصيّاد فيه تتأجّج وهو يجوس الجدران بأصابعه ، ويشيح عن جسد زوجته، يفرّ مذعوراً إلى الصّالة ، يطفئ الرّغبة المتأجّجة بالخمرة، حتّى ينام14. وفي الحالتين يستجيب كلام المتكلّمين لمقولة الصّمت.

1.3 يظهر الصّمت في المستوى الأوّل تيمة في النصّ. فمنذ العنوان تطلّ تيمة الصّمت. فالرّواية اعترافات كاتم صوت وكاتم الصّوت قاتل محترف، يدخل الكائنات الحيّة النّاطقة في صمت أبديّ أي الموت . وتظهر هذه التّيمة في عتبة هامة من عتبات النصّ الأصوات وكاتمها وهي عتبة تتعلّق بطبيعة الحال بشخصيّة من شخصيّات الرّواية وهي شخصيّة يوسف وهو يقدّم نفسه في اعترافاته على هذا النّحو:أشعر بالعجز والعقم والضّعف والموت ولكنّي قادرٌ على التّحكّم بالآخرين والسّيطرة علي حياتهم بل وموتهم، لا بل إنّني أستطيع أن اختار شكل الموت وهيأته ووقته 15.والصّمت يحدّد العلاقة بين الشّخصيات داخل البيت وخارجه. تقول المرأة في يومياتها:العتمة والصّمت. لم نشعل النّور .. نحن المتفرّجون وهم الممثّلون 16. ويقول الرّجل:صمتٌ ثقيلٌ يقطعه بين الحين والآخر سعال الحرس، إيقاع خطواتهم، همساتهم، لماذا يتهامسون؟17.ويقول أيضاً:صوت الختيار. الصّمت والعزلة نفي لوجودي. الصّمت يقول أنا لستُ موجوداً18.

2.3.يرتبط الصّمت بمعنى الحضور والغياب. فعندما يرنّ جرس التّلفون وتُرفعُ السمّاعةُ يظهر صوت الابن أحمد، صوت الماضي والمستقبل وقناة الاتّصال بالعالم الخارجي: تناولتُ السمّاعة واتّصلت أنا هذه المرّة، فاكتشفتُ أنّهم قطعوا الخطّ نهائيّاً، الخطّ الوحيد الّذي يربطنا بالحياة والزّمن. ما عاد يأتينا من العالم الخارجي سوى غبار الزّوابع، يدخل من شقوق الأبواب والواجهات الزّجاجيّة العريضة.

تلحق به نظرات رجال الأمن19. أونجلس في الظّلام، ظلام تنبت فيه ظلال، نحدّق إليهم، جرس التّلفون ينطلق مثل ضحكة سوداء، قهقهة معتوه. أرفع السمّاعة ن أسمع هديراً أشبه بهدير محّارة بحر وهميّ. صوتٌ أجشّ، يا خونة ، ثمّ صوت متّصل وهدير . فصلوا الهاتف. الخطّ الوحيد الّذي يربطنا بالعالم الخارجي 20 .أمّا الجهاز الثّاني الّذي يربطهم بالعالم الخارجي ينتابه الصّمت بدوره. تقول المرأة:نتفرّج على نشرة الأخبار في التّلفزيون، نبصر الصّورة ولا نسمع الصّوت. قلت للختيار دون أن ألتفت: هل تعتقد أنّهم عطّلوا الصّوت ؟ قال وهو يشيح بوجهه: لعلّ العطب في الجهاز. منذ أسابيع والصّوت معطّل. ماذا يا ترى يحدث في العالم الخارجي؟21.

وفي كلّ الحالات يتّصل الصّمت بمعنى الموت. فالموت هو الصّمت الأبديّ الّذي يهدّد الشّخصيات كلّها تقريباً. فعندما ينقطع صوت التلفون نهائيّا تعلم الأسرة أنّ ولدها قد قتلسيلفيا الّتي تبصر الصّوت وتسمع الصّمت ن سيلفيا هذه، هي الّتي اتّصلت وأنبأته بأنّ أحمد قد اختفى، ربّما اختطف. لن يحمل أحدٌ بعد الآن اسمه. انقطع الصّوت الأخير الّذي كان يربطهم بالحياة والمستقبل22.وتظهر بعض الأشياء والشّخصيات في البيت علامة من علامات الموت أو تحقّقا له فالمسدّس الّذي لم تصادره السّلطة يظلّ بعلن عن موت ممكن ، لكنّ الكلبة الصّغيرة تقتل عبثاً.

إنّ الموت في هذه الرّواية يهدّد كلّ الشّخصيات ، فحتّى كاتم الأصوات ومحترف القتل ينتابه شعور الرّغبة في الموت وهو ينقطع عن الكلاملكنّه لم ينبس.دفن رأسه في الوسادة وقال إنّه يرغب في أن يموت ولم تسمع ما قاله..قال إنّه يرغب في أن يموت وان يلحق بأبيه المرحوم الحاج محمود وهو يريد أن يموت ليقابله23.

3.3. لكنّ الصّمت يظهر في الكلام. فالمتلفّظون وهم يتحاورون، يتركون فراغات في كلامهم في مواطن كثيرة من الرّواية. فهم يعلمون أنّ كلامهم مراقب بواسطة أجهزة التّنصّت المنتشرة في البيت.ولذلك تجيء الحوارات وهي تحمل نقصاً وتترك فراغات لا تستطيع ان تملاها. إنّها فراغات ناتجة عن هذه الرّقابة الذّاتيّة المفروضة الّتي يجريها المتكلّمون على كلامهم حتّى لا تغضب السّلطة ولا تنتج عن غضبها إجراءات جديدة لا يستطيعون أن يتحمّلوها وهم في هذه الوضعيّة .إنّ التّلفّظ محكوم بوضعيّة قاسية : بيت مغلق يراقبه رجال الأمن وزرعت فيه أجهزة التنصّت، وينتج عن هذه الوضعيّة أنّ الكلام يسقط كلّ ما يمكن أن يغضب السجّان .

ولذلك يجيء الحوار وإن طال منضغطاً، لا تبلغ الجملة فيه منتهاها، ولا يسترسل المتحاوران في أفكارهما، فهما متّفقان على ما يمكن أن يقال وما لا يجب أن يقال. ولذلك يتضمّن الحوار فراغات رهيبة وهي أبلغ من الكلام الظّاهر الّذي يقوله المتكلمان وتلتقطه أجهزة التّنصّت. ويمكن أن نحيل في هذا المعنى على الحوار بين الرّجل وزوجته وهما راقدان على السّرير ويحدّقان في العتمة في صمت 24. إنّ وضعيّة التّلفّظ في هذا الحوار ذات دلالة عميقة.فالمتحاوران في حجرة مغلقة ومظلمة يسودها الصمت وأصابع الرّجل الّتي تراها الزّوجة بأصابعها، باردة، وتقطع كلام المتلفّظين بعض المشيرات الّتي تتكرّر: قلتُ قال أو تصف الحالة الّتي عليها المتكلّمان قال دون أن ينزع عينيه من الظّلام قال وهو يضغط على يديقال وهو يربّت على يدي. ويقطع الحوار ظهور البنت التي جاءت خائفة من الكابوس الذي رأته رفع يديه عن يدي وأشعل سيجارةً. أطلّت الصّغيرةُ وأشعلت النّور. قالت إنّها رأت كابوساً مرعباً في منامها. وأنّها خائفة وتريد أن تنام بيننا 25.إنّ كلام الأصابع هاهنا أبلغ من كلام اللّسان.

4.3.أمّا الملفوظات في حدّ ذاتها فهي ملفوظات قصيرة محدودة المعنى، تسكت أكثر عن أكثر ممّا تصرّح به وتقولهقلتأشعر بالوحدةشدّ على يدي. لم يدخّن سيجارة. فالآن لنا أن نتقاعد إنّ بين الملفوظين فراغاً هائلاً كهذا الفراغ الّذي يظهر بين الملفوظين التّاليين:قال، أرى أنّهم يتعاطفون ويدركون ماذا ترين أنت؟ قلتُ، أرى ظلاماً وعتمةً وحرساً تحت مصابيح الشّارع 26.

ولكنّ الكلام أحياناً يقول ما لا يريد المتلفّظ ان يقولهن بل نرى الملفوظ يحمل ازدواجيّة غريبة. فالاتّصال الهاتفي الّذي يقتضي متكلّماً وهو الرّجل أو المرأة أو الصّغيرة ومتكلّماً له وهو الابن احمد، يتّجه ملفوظه اتّجاهين اثنين: اتّجاه السّلطة واتّجاه أحمد. وهو في الحالتين ملفوظ مغالط. فهو يقول للسّلطة الّتي تقبله كلاماً غير صحيح ويقول لأحمد كذلك كلاماً غير صحيح فيه مغالطةٌ غير مقصودة يُحمل عليها المتلفّظ حملاً، ذلك أنّ الهاتف من وجهة نظر السّلطة ذو ولاء شأنه شأن المواطن. فإذا سمع كلاماً غير مستحبّ ن فإنّه يرفض أن يردّ 27 ولذلك عندما اتّصل أحمد تحدّث الرّجلقلت له إنّنا نعيش حياة هانئة وأنّ كلّ احتياجاتنا متوفّرة 28.

وعلى هذا النّحو تقتضي وضعيّة التّلفّظ أن يتحوّل الكلام إلى كذب. والكذب في الحقيقة في هذا السّياق فراغات وهو صمتٌ وعلى القارئ أن يملأ هذه الفراغات ويحلّ ترمّز الصّمت وهو يقرا هذه الرّوايةَكذب أحمد على أمّه ألف كذبة وكذبة واحدة ومنها مثلاً أنّه يشتغل في شركة محترمة.. ثمّ جاء دور الأمّ لتكذب ألف كذبة بيضاء وأخرى سوداء. فقالت إنّهم مرتاحون هنا وأنّ الطّقس جميل وانّ الجماعة يعاملونهم معاملةً مثلى 29.

5.3. يبدو لنا هذا الصّمتُ أبلغ من الكلام. فهو عدم تحقّق فعل تلفّظ كان يمكن أو كان يجب أن يقع في وضعيّة محدّدة. وإذا نظرنا إلى علاقة النصّ به، فإنّ الرّواية كلّها، نظراً لطابعها الملتبس نصٌّ صامتٌ. فكأنّ الكاتب لم يستطع أن يقول ما يريد أن يقوله، فالتجأ إلى هذا الشّكل الملتبس.فالصّمت هنا محكوم بالرّفض. والمتكلّمون يرفضون أن يتكلّموا لأنّ سلطة قاهرةً تمنعهم من التّعبير عن آرائهم ومشاغلهم. وبالتّالي وهم يتكلّمون يكونون في وضعيّة خاصّة لا تسمح لهم بان يصدروا ملفوظات قد تزيد من تعكير الوضعيّة الّتي هم فيها. وبذلك يكون الرّفض شكلاً من أشكال التّمرّد على هذه السّلطة الخارجيّة الّتي تتحكّم في وسائل الاتّصال وتريد أن يكون الكلام موالياً. فالمتكلّمون يتركون ثغرات وثقباً في ملفوظاتهم ليس لأنّهم لا يستطيعون أن يقولوا، بل لأنّهم لا يريدون أن يقولوا تفاديا للأسوأ. وهذا يعني أنّ الصّمت ملتبس بالخوف الّذي يتحوّل إلى سلطة قامعة تذلّ المتكلّمين.

4.يرتبط الخوف بجهاز المراقبة وبالفضاء الّذي يتحرّك فيه المتكلّمون. فالواجهة الزّجاجيّة للبيت تعرض الشّخصيات إلى التّعرية. والشّخصيات مكشوفة ليس فقط في مستوى الكلام الّذي تتلفّظ به، ولكن أيضاً في مستوى تحرّكها داخل البيتعيون الحرس فوق السّور تحدّق إلينا، تخترق هذه الجدران الزّجاجيّة ونحن، أنا وأبي وأمّين نحاول مثل لصوص سُلّطت أضواء باهرة عليهم بغتةً، أن نختفي وراء الباب، نتوارى خلف جدار داخليّ يجلّل عري هذا البيت الزّجاجيّ المستباح بالعيون المبحلقة 30. ينبثق الخوف من الاحساس بالعراء والاستباحة. فلم يعد الانسان في هذا البيت يملك شيئاً من خصوصياته. وعلى هذا النّحو يصبح الخوف سلطة في البيت، تتحكّم في كلام الشّخصيات وفي أفعالها وتصرّفاتها. وتتحوّل الشّخصيات إلى شخصيات تراجيديّة كما يصرّح النصّ بهذا المعنىهذه هي المأساة. المأساة هي أن يعرف البطل مصيره التّراجيدي مسبّقاً. لكنّه بالرّغم من هذه المعرفة يواصل مسيرته نحو هذا المصير31.

1.4 وعندئذ تكون كلّ أفعال الشّخصيات داخل البيت تعبيراً عن الخوف ، وحتّى الكتابة الّّتي التجأ إليها الدكتور مراد باعتباره منظّراً سياسيّاً كانت في الظّاهر طريقةً من طرق الصّمود أمام المصير الّذي فرضه عليه الوضع السّياسيّ الجديد، ولكنّها كانت في الحقيقة خوفاً من السّقوط والانهيارسوف يأتون، أعرف، حين انتهي من الكتابة ، سيسألونني عن أوراقي وسأسلّمها لهم. أعرف. لكنّي سأظلّ اكتب 32.أوخطيئة أن لا أضع حدّاً لحياتي. خطيئة أكبر أن لا اكتب. ينبغي أن أواصل كتابة الكتاب الّذي سيصادر33.وسيظلّ الرّجل وهو يرى المسدّس الجاهز يخشى هذا المصير المحتوم من أجل أن يعيش ويواجه القرن الحادي والعشرينمشيتُ اليوم عشر كيلومترات. بين المطبخ وغرفة النّوم عشرون خطوة. ذرعت هذه المسافة كبندول ساعة، رائحاً راجعاً مئات المرّات.لم أحسسها بدقّة. وكنت طوال مشواري أفكّر في شكل القرن الحادي والعشرين34. ولذلك تتحوّل الأحلام إلى كوابيس مخيفة.

2.4 لكنّ دائرة سلطة الخوف تتّسع وتنتقل من فضاء إلى فضاء. فالملازم لا يستطيع أن ينام مع زوجته في بيته. وهو لا يستبعد وجود جهاز تنصّت في سيّارته، ويعتقد أنّ الأجهزة عديدة وأنّ كلّ جهاز يراقب الجهاز الآخر35. بل ينتاب الخوف كاتم صوت وهو الّذي يتحكّم في تصرّفاته لكن حين ألحّت عليّ الحاجة إلى الاعتراف، وأدركتُ أنّني عاجز عن حلّ عقدة لساني أمام الآخر، أي آخر، بسبب من رصانتي وجبني. إنّني رعديد جبان أحياناً ن خاصة حين أجلس مع مسئولي أ و إلى شخص قويّ مثل الدّكتور مراد36.أولكنّ الرّعب جرثومةٌ دفينةٌ لا تُرى بالعين المجرّدة. أنا أعرفها، حملتها في أنفاسي حين كنتُ أتحدّث إلى أحمد37.ويكتسح هذا الإحساس البيت في مدينة عمّان وينتشر في شوارعها عندما تدرك الصّغيرة إنّها ملاحقةٌقلتُ إنّي خائفة ، خائفة من كلّ جديد ن من العائلة الكبيرة، من تلك الأجهزة أو المنظّمات الغامضة الّتي قتلت أخي وأمّي38.

3.4 ولكن ألا يخفي الخّوف عداوة وعنفاً يعود إلى منبعه بعلامته المقلوبة، على حدّ عبارة جوليا كريستيفا؟ وأل تكون الكتابة بهذا المعنى العلاج الوحيد للرُّهاب؟ إنّ الرُّهاب لا يختفي ولكنّه ينزلق تحت اللّغة. إنّ كلّ رُهابيّ، كما تقول كريستيفا هو كتابةٌ في حالة تكوّن ، وعلى العكس يبدو كلّ فعل كلام لغة خوف39 .إنّنا نعتبر هذه الرّواية مذكّرات كاتم صوت هي الرّواية المركزيّة في مدوّنة مؤنس الرزّاز. فهي النّواة الأساسيّة والنّصوص الأخرى ما هي إلّا دوائر حول هذه النّواة. فعندما ننتقل إلى الرّوايتين الأخريين، جمعة القفّاري:يوميات نكرة وسلطان النّوم وزرقاء اليمامة، نحن في الحقيقة ننتقل من مستوى إلى آخر، من تمثيل بشريّ للواقع إلى تمثيل موضوعيّ ساخر، إلى تمثيل رمزيّ، من رواية تهيمن عليها شخصيّات مرجعيّة واصلة إلى رواية نهيمن عليها الشّخصيّات المرجعيّة الاجتماعيّة، إلى رواية تقوم أساساً على شخصيّات مرجعيّة مجازيّة . ومع ذلك فإنّ الدّلالة لا تتغيّر كثيراً.

5. في رواية جمعة القفّاري: يوميات نكرة، حلّ الخطاب السّاخر محلّ الخطاب الواقعي المباشر. وإن حافظ المؤلّف على نمطي السّرد: السّرد السّير ذاتي والسّرد مجهول الاسم، فالرّواية لا تخلو من الالتباس. وهو هنا لا يتعلّق بطبيعة النصّ في حدّ ذاتها، بل بطبيعة الخطاب السّاخر. إذ نحن إزاء شخصيّة مركزيّة هي شخصيّة جمعة القفّاري يقدّمها السّارد على أساس أنّها شخصيّة مريضة ، تعاني من بعض الأزمات النّفسيّة قال الطّبيب المرعب أنّني أعاني من تخلّف عاطفي ن وأنّني معاق انفعاليّاً40.

وتجلّى هذا المرض النّفسي عندما فكّر في كتابة رواية وبنى شخصيّة روائيّة وحوّلها إلى شخصيّة إلى شخصيّة واقعيّة يتحدّث معها ويخاطبها في كلّ حينعلّق كثير الغلبة وهو ينفخ يائساً أنّ أموري تستفحل وأنّ عجزي على التّصالح مع نفسي وعقد معاهدة سلميّة مع الحياة دفعني إلى تحويل نعمان العموني من مشروع شخصيّة روائيّة في الذّهن إلى شخصيّة واقعيّة أبصرها وأتحدّث معها مع أنّها غير موجودة، ونصحني بزيارة طبيب نفسانيّ 41، وشخصيّات أخرى ثانويّة تحيط بجمعة القفّاريكثير الغلبة، زوجته، الأخت، وداد تقدّم على أنّها شخصيّات سويّة متصالحة مع العصر ومدركة للتّطوّر الاجتماعي الحاصل وناجحة في مسيرتها الحياتيّة.

1.5. وفي الحقيقة، نحن في هذه الرّواية إزاء مدارين سرديين مختلفين، يُحدث اجتماعهما في هذه الرّواية التباساً ظاهراً. في المدار الأوّل يبدو جمعة القفّاري رجلاً مريضاًجفّفت عرقي بمنديل من الورق ، ثمّ اعترفت لها بعد أن أشحت بوجهي وسقطت ذقني على صدري، أنّني كنت أعاني من اضطرابات عصبيّة وانّي دخلتُ إلى مصحّ للأمراض العصبيّة والنّفسيّة وأنّني أحاول إبرام معاهدة صلح بيني وبين نفسي من جهة ثمّ بيني وبين محيطي من جهة أخرى42 .وكلّ تلك الوضعيّات الاجتماعيّة الّتي يجد فيها نفسهن تؤكّد أنّه رجلٌ غبيٌّ، غير قادر على فهم العالم وعاجز على التّصالح مع محيطه الاجتماعيّ ، بحكم الحالة المرضيّة النّفسيّة الّتي هو عليها.

وبالتّالي تنتهي الحكايةُ بأن يأخذه رجال الأمن إلى المستشفى، وهي النّهاية الطّبيعيّة لرجل مثله يعيش حالته.وفي المدار الثّاني يبدو جمعة القفّاري دونكيشوتاً من طراز جديد سيطر عليه هاجس كتابة رواية عن بطل يتمنّى أن يكونه..وسيسمّيه عون كيشوط أو عون الكياشطة، نسبة إلى دون كيشوت الأندلسيّ!نعم بطل ذو حياة تزدحم بالمغامرات، بطل يقدّم نظريّة فلسفيّة جديدة، فيها خلاص للبشريّة من عذاباتها43.وإن دخل مستشفى الأمراض النّفسيّة فقد شفي تماماًكان الدّكتور يكفّ فجأةً عن الدّوران في الغرفة ن ثمّ يرفع رأسه ويمرّر أصابعه في شعر رأسه ويردّد كالحالم: الأزمة تعيد إنتاج نفسها ، حاصله، شُفي تماماً وقيل إنّها معجزة العلم وعاد جمعة إلى البلد44.

وتؤكّد بعض شخصيّات الرّواية هذا المعنى إذ ترى أنّ مرض جمعة القفّاري هو تصنّع لا غيرقال لي لا أعاني من أيّ مرض وأنّ مرضي الوحيد هو عدم قدرتي على التّكيّف، وأنّني لا أبذل جهداً كافياً للاندماج في المجتمع45. وعندئذ تكون الوضعيّات الاجتماعيّة الّتي عاشها دليلاً على انّه رجلٌ ذو قيم أصيلة في زمن تردّت فيه القيم وساد فيه الابتذاللكنّ وداد تصرّ على أنّه عملاق في زمن الأقزام ونبيل في عصر النّذالة وفارس جليل في وقت ترجّل فيه جميع الرّجال الذّكور عن صهواتهم ومشوا على أقدامهم46 .وإن أبدى بعض السّلوكات البلهاء فتلك طريقةٌ اتّخذها حتّى يستطيع أن يعيش بين هؤلاء النّاس.

2.5. في الحقيقة إنّ المدارين ممكنان ويحدثان التباساً تصرّح به الرّواية بشكل من الأشكالإنّ جمعة القفّاري ولد في الزّمان الغلط ووصفته بأنّه صعلوك نبيل ولم يكن جمعة على يقين من أنّها تمدحه أو تشتمه47.وصورة دون كيشوت الّتي استدعيت في الحكاية ذات وجهين، فقد تكون لصالح الشّخصيّة أو لغير صالحها.يظهر الالتباس إذن في كلام السّارد وكلام الشّخصيات ن بحكم هيمنة خطاب السّخرية في الرّواية كلّها.

وإذا فهمنا السّخرية على أنّها خطاب مزدوج وإن على مستوى الشّكل باعتبارنمط خطاب يحتوي على فارق بين ما تقوله لفظاً وما تريد ان تقوله حقّاً48 وإذا اعتبرنا السّخرية وجهاً من وجوه التّعبير عن الذّات ويمكن أن تسمّى بالمعنى الحقيقي للكلمة مجازاً فهي تقلب كلّ شيء إذ تبطن الظّاهر وتظهر الباطن وتسعى إلى أن يكون الأوّلون الأخيرين والأخيرون الأوّلين49 واعتبرناها أيضاً التّواضع المغلوط والسّذاجة المغلوطة والإهمال المغلوط على حدّ عبارة جانكيليفيتش، فإنّ الملفوظ الرّوائيّ يتأسّس على فراغات وثقب على القارئ أن يملأها حتّى يغلّب مداراً على مدار و حتّى يصل إلى قصديّة المؤلّف.

3.5. ثمّة إذن في خطاب السّارد وخطاب الشّخصيّات صمتٌ يتكرّر باستمرار، لأنّ الكاتب ينحو منحى المجاز، يخفي ويموّه ويناور. فهو يرفض أن يسمّي الأشياء بأسمائها وينحو بالخطاب منحاه المباشر.إنّ الصّمت هنا يعتبر عمليّة ً خطابيّةً واعيةً، وهو في الحقيقة يتّخذ شكل التّمرّد على الخطاب الاجتماعي برمّته الّذي يرفض أن ينخرط فيه. تسأل وداد جمعة القفّاريألا تقوم مناعتك إلّا بالصّمت ؟

أنت حصنٌ منيعٌ ، وجدران قلعتك الدّاخليّة العصيّة وأسوارها الّتي تتأبّى على الاقتحام مجهولةٌ بصمتك.لكنّه صمتٌ يواري حزناً عميقاً.أسى ومرارة تعيشهما وحيداً ولا تبوح بهما لأحد، لأنّك عصيّ الدّمع، شيمتك الصّبر!50، ويتّخذ كذلك شكل التمرّد على المخاطَب نفسه لأنّه يرفض أن يتواصل معهأقسم باللّه أنّني حاولت أن أساعده على التّأقلم، قلت له يا جمعة يا حبيبي يابن الحلال يابن عمّي، ينبغي أن تخرج من غربتك وتدخل الحياة العامة51.

وعندئذ يلتبس الصّمت بالخوف الّذي يتّصل بالشّخصيّة المتخيّلة داخل الرّواية وهي شخصيّة النّعمانفإذا بطباع المجازفة والمخاطرة وحبّ المغامرة والميل إلى الاستطلاع تتبدّد، لتحلّ محلّها خصال الكسل والخوف، نعم الخوف، الخوف من الموت، من العتمة ، من الخروج إلى الشّارع، من الاختلاط بالنّاس، من الحياة كلّها51.كما يتّصل بالشّخصيّة وهي شخصيّة جمعة القفّاري الّذي يجد نفسه تحت سلطة الخوف شأنه شأن شخصيات مذكّرات كاتم صوتساورني إحساسُ شكّ مظلم وفزع طارئ. وثار حسّي الأمني واستنفر أجهزة الإنذار الصّدئة في أعماقي… حدّثتني نفسي أنّها قد تكون فتاة من وكالة المخابرات المركزيّة الأمريكية، ثمّ شطّبتُ هذا الاحتمال.

لماذا تلتفت الوكالة إلى نكرة مثلي؟ لعلّها تنتمي إلى الموساد. ألست صديق أحمد سيف؟ألم يكن لأحمد أبو سيف نشاط سرّي أيّام بيروت؟ لكنّ أحمد أبو سيف نفسه في البلد الآن. فلماذا لا تحاول إيقاعه شخصيّا إذا كانت من الموساد؟ استبعدتُ هذا الاحتمال . لكنّ بذرة الحسّ الأمني الّتي زرعها أحمد أبو يوسف في أعماقي لا تزال تتضخّم52.وعندئذ يكون فعل الكتابة وحتّى وإن كان مشروعاً من خلال الرّواية الّتي يريد جمعة القفّاري أن يكتبها وهي مغامرات النّعمان في شوارع عمّان، العلاج الوحيد من الرُّهاب.

6.في رواية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة، يخرج مؤنس الرزّاز من التّمثيل الواقعي ليوغل في المجاز ويباعد بين عالمه الرّوائي ومرجعه. يتنازل في هذه الرّواية المرجعيّ لفائدة اللّغة الرّامزة. وفيه يخرج السّرد من الملموس إلى المجرّد، ذلك أنّ عالم الضّاد لا يوجد على الخرائطألا يتحدّث النّاس عن عالم الجنّ وعالم العفاريت والأشباح وحتّى عالم الأطفال والموسيقى وما وراء الطّبيعة وعالم الأحلام والمنامات..هذه العوالم كلّها لا تجدها على الخريطة، لكنّها موجودة53 .

ومع ذلك فنحن إزاء شخصيات مرجعيّة، لكنّها لا تحيل على كائنات اجتماعيّة بقد ما تحيل على كينونات مجازيّة. ولكنّها على نقيض رواية جمعة القفّاري:يوميات نكرة،يبدو عالم الضّاد عالم النّاس الخارقين والإنسان العادي فيه شاذ عن القاعدة شأن شخصيّة علاء الدّين الّذي فقد صفته الخارقة 54. فهو عالم أشخاص يتمتّعون بقدرات خارقة ويتجنّبون العيش في عالمكم الّذي لا يترك الخارق وشأنه ، إنّه عالم أشخاص غريبي الأطوار هربوا من عوالمهم الأصليّة أو أبعدوا إبعاداً أو نفياً لعدم على التّكيّف55. وعندئذ يطرح السّؤال بشكل مقلوب. فإذا كان السّؤال في رواية جمعة القفّاري كيف سيتأقلم رجل غير عاديّ مع أناس عاديين؟ يتحوّل السّؤال في رواية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة إلى صيغة مناقضة:كيف سيتأقلم رجل عادي مع مجتمع من الخارقين؟56.

1.6. تتحوّل الشّخصيات في هذه الرّواية إلى شخصيات متكلّمة، فهي الّتي تروي وهي الّتي تتكلّم وتنقل كلام الشّخصيّات الأخرى على سبيل التّناوبسلطان النّوم وزرقاء اليمامة ، بئر الأسرار ، الدّكتور نور الدّين وشخصيّة ميم الرّوائي وهي شخصيّة واصلة بالمؤلّف الّذي ألّف الرّواية وسارد مجهول الاسم الّذي يبدو عليما بعوالم الشّخصيّات ، ظواهرها وبواطنها. وفي كلّ ذلك يقلب المؤلّف المواضعات الأدبيّة، فالواقع عنده أكثر فانتازيّة من الخيال..والحياة تقلّد الفنّ، ابتداء من الشّعر مروراً بالرّواية لا العكس57.

2.6.إنّ هذا الشّكل الّذي تمثّل فيه الرّواية الرّمز شكلٌ ملتبسٌ بطبيعته. فالشّخصيات لا تعدو أن تكون رموزاً لأفكار ومواقف فكريّة ووضعيّات اجتماعيّة. والشّخصيات عموماً، عندما تتكلّم تصف وضعيّات تكون فيها في حكاية تبدو ظاهريّاً متقطّعة، لكنّها تتكامل عبر الفصول المختلفة، عندما تتّضح علاقة سلطان النّوم بزرقاء اليمامة. إنّ الالتباس يظهر في مدى إدراكنا لمدلولات هذه الرّموز. فإذا كان عالم الضّاد رمزاً لأولئك الّذين يتكلّمون لغة الضّاد، فإنّ شبه مدينة الضّاد لا ترمز إلى عاصمة بعينها. وإذا كانت الشّخصيات ترمز إلى مجموعة من الأفكار والمفاهيم، فإنّه من الصّعب أن نحصر هذه الأفكار والمفاهيم في دلالة محدّدة.

هنا في سلطنة الأحلام لا وجود للحدود والأسوار الّتي ينشئها العقل. هنا لا حدود فاصلة بين الزّمان والمكان، ولا بين المخيّلة والذّاكرة ولا بين الوهم والواقع، لا جدران تفصل بين المفاهيم والكائنات58. إنّ التّعميم في الحقيقة مصدر الالتباس، فهذه المدينة الّتي غزتها الأسرار والفضائح وفاضت بها أغلق بئر الأسرار فمه. إلّا أنّ الأسرار والفضائح بدأت تتدفّق من أذنيه وأنفه ومساماته وكلّ ثقب في جسده متّخذة عدّة أشكال وهيئات:أصوات، حوارات، كلمات، صور، أشرطة تسجيل ضئيلة الحجم 59 ويحكمها سلطان النّوم أنت لا تدرين شيئاً عن سلطنة المنام، النّائمون يرغبون في أن يحقّقوا في عالم المنام الرغبات الّتي يحظرها عليهم عالم اليقظة. إنّهم يتطلّعون إلى اقتراف ما يرغبون في اقترافه في عالم اليقظة.

لكنّ العرف والمألوف والمجتمع والقانون يردعهم60، وتغزوها قبائل العجاج والرّملبدأت موجات الرّمل تربض على أرض الغرفة طبقةً فوق طبقة، وترتفع مرتبةً فوق مرتبة.وقبائل الزّوبعة العجيبة لا تنقطع قبيلةً تلو قبيلة، تقتحم باب الشّرفة، وتندفع بلا هوادة إلى غرفة العجوز العاجزة فوق سريرها61، ترمز إلى وضع لا يمكن لنا أن نحدّد معالمه.فقد اغرق السّرد في الخيال هذا هو العالم الوحيد الّذي لا حدود فيه.إنّه عالم الحرّية الخالصة.قال إنّ كلّ الأزمنة هنا معاص، بوسع المرء هنا أن يتقدّم ن يتأخّر، يتيامن، يتياسر62. فهل أنّ جبال الرّمال الّتي تزحف على المدينة فيلم هولويوديّ أم أنّه واقع حقيقيّ؟

 

3.6. يخترق الصّمت هذه اللّغة الرّامزة. وما يقال في النصّ يخفي ما لا يقالفلكلّ منّا أسماء مستعارة وحركيّة. ولكلّ منّا هويّات متعدّدة، بعضها أصيل وبعضها مزوّر. ولكلّ منّا وجهٌ ظاهرٌ ينسجم مع الباطن أو لا يعكس حقيقته63. ويمتلئ الكلام بهذه الفراغات أي بهذا الّذي لا يقال. تظهر كلمة الصّمت في الرّواية في موضع واحد على لسان بئر الأسرار وبهذه الصّيغةبيني وبين العالم بئرٌ من الصّمت، كتلة الصّمت خفيّة.إنّها تجلس بينك وبين الغرباء لتداري جرح الاحتكاك المفتعل. للصّمت لونٌ ، لونه أسودُ64 .

4.6. لا شكّ أنّ خطاب المتكلّمين ينزع بدوره في هذه الرّواية عبر المجاز منزعاً ساخراً. ولكنّه سخريّة قاتمةٌ، تظهر في هذا الخطاب المزدوج في ما يقوله الكلام في الظّاهر وما يريد أن يقوله في الباطن. وبالتّالي يكون للكلام الظّاهر فراغٌ على القارئ أن يملاه.إنّ النصّ مفتوح. وهو ينفتح على القراءات المتعدّدة. فشبه مدينة الضّاد تحكمها كائنات خارقةٌ وغير عادية، لكلّ كائن منها سلطان لا يملكه غيره.

وإذا اعتبرناها كائنات مجازيّة يمكن أن تكون رموزاً لقوى الأمر والنّهي في مدينة الضّاد الحقيقية ويمكن على هذا النّحو أن نتتبّع الوضعيّات والمواقف كما تظهر في الحكاية ونأوّلها للوصول إلى قصديّة المؤلّف وذلك عبر البحث في مجالات المحاكاة أو التّطابق أو التّنافر، وهو أمرٌ ليس سهلاً في رواية تريد أن تباعد الأشياء والمعاني. فما هو إعصار العجاج الّذي يهدّد شبه مدينة الضّاد، وما هي الأسرار والفضائح الّتي تملأ شوارع المدينة وقد سقطت من جسد بئر الأسرار.إنّ الكلام يسكت في مثل هذه الوضعيّات ولا يترك إلّا فراغات معروضةً على القارئ.لكنّ الملفوظات أحياناً تنفتح على مقاصدها، كأن تقول جولييتإنّ مشكلة الشّرق هي السّياسة . النّاس يأكلون ويشربون سياسةً.

وأكدّت ّأنّ الغرب حقّق تفوّقه على الشّرق لأنّه أعلن رسميّا منذ الثّورة الصّناعيّة حقّ الإنسان في العشق. التزمّت هو التّخلّف، والنّظرة إلى حرّية الحب هي مقياس للتّقدّم أوالتّخلّف.. أمّا هنا في الشّرق ، فالحبّ عيب ومحظور والهيبة تتطلّب وجوهاً متجهّمة صارمةً 65.إنّ مثل هذا المقطع يطول ونحن نعتقد أنّه في هذه الرّواية أقرب إلى الاختراقات النصّية. فالكاتب يخترق الميثاق القرائي الّذي وضعه منذ العنوان. فإذا كانت الرّواية من باب التّمثيل الرّمزي فإنّ ظهور مثل هذه الملفوظات الواقعيّة والمباشرة على لسان الشّخصيّات تحدث نشازاً داخل النصّ ، ولكن يمكن أن نفهمها على أساس أنّها ازدواجيّة خطابيّة تبرّر ما ذهبنا إليه.

ومع ذلك فإنّ أغلب الملفوظات تظلّ داخل سياقاتها المجازيّة. ففي الحكاية المجازيّة، على حدّ عبارة ديفيد لودج هي شكل متخصّص من السّرد الرّمزي وهو لا يوحي من وراء معناه الحرفي، بل لا بدّ من فكّ شفرته فيما يتّصل بمعنى آخر وهي تنمو وفق التّوازي بينها وبين المعنى المضمّن فيها، وتنحو الأفعال الّتي تستخدم أسلوب الحكاية المجازيّة لا على نحو عارض بل بوصفه وسيلة سرديّة أساسيّة، إلى أن تكون الحكايات في هذه الرّواية تهكّميّة66.فهل يمكن أن نقول إنّ هذه الحكاية المجازيّة بمروياتها وملفوظاتها تخفي سارداً ومن ورائه مؤلّفاً أدرك أنّ ما يمكن أن يقال في هذه الرّواية وقد بلغ درجة عالية من الدّناءة تتحمّله اللّغة الواقعيّة، إمّا لأنّ موقعه في الهيئة الاجتماعيّة لا يسمح له بالقول أو أنّ سلطةً ما تمنعه منه؟ ففي الشّعور بالدّناءة كما تقول كريسيفا يكمن شيء من ذاك التّمرّد العنيف والغامض الّذي ينتاب الكائن في مواجهة ما يهدّد وجوده وما يبدو له متأتّياً من خارج أو من داخل ، تجاوز الحدّ ، ملقى إلى جانب الممكن والمسموح به والقابل للتّفكير67.

7. إنّ النّتيجة الّتي نخرج بها من هذا التّحليل هي أنّ التّشكّل السّرديّ في هذه الرّوايات الثّلاث الّتي حلّلناها محكومٌ بمدار دلالي كبير يقوم على ثلاث مناصات هي الالتباس والصّمت والخوف68. لا شكّ أنّ مؤنس الرزّاز أراد أن يكون خطابه الرّوائي، على الأقلّ من خلال هذه الرّوايات الثّلاث خطاباً ملتبساً يخترقه الصّمت والخوف. إنّ النصّ كما يقول إيكو نتاج يرتبط مصيره التّأويلي أو التّعبيري بآلية تكوينه ارتباطاً لازماً، فأن يكوّن المرء نصّاً يعني أن يضع حيّز الفعل استراتيجيّة ناجزة تأخذ في اعتبارها توقّعات حركة الآخر69.

وشبّهه بالمحارب الّذي يتصوّر عدوّاً نموذجيّاً مع اختلاف أساسيّ وهو أنّ المؤلّف في كتابه يسعى إلى أن يجعل الخصم رابحاً لا خاسراً70.والخصمُ هنا هو هذا القارئ النّموذجيّ الّذي يكون جديراً بالتّعاضد من أجل التّأوين النصّي بالطّريقة الّتي يراها، هو المؤلّف، ملائمة وقمينة بأن تؤثّر تأويليّاً بمقدار ما يكون فعل المؤلّف تكوينيّاً 71.

1.7 إنّ الذّات الكاتبة تكاد لا تختفي في هذه الرّوايات الثّلاث. ففي الرّواية الأولى مذكّرات كاتم صوت يروي مؤنس الرزّاز حكاية مؤلمة عاشت أسرته بعض فصولها. وفي رواية سلطان النّوم وزرقاء اليمامة، يظهر الأستاذ ميم الصّحفي والرّوائيّ وهو في الحقيقة انبثاق لصوت المؤلّف داخل النصّ كما يظهر فيها اسم منيف الرزّاز من بين شخصيّات مرجعيّة كثيرة تذكر بأسمائها الحقيقيّة، ويمكن أن نعود إلى الملفوظات في حدّ ذاتها لنؤكّد أنّ المؤلّف حاضر في نصوصه، ويذكّر بأنّه موجود وليس غائباً. وعندئذ قد لا يكون مثيراً أن نقول إنّ هذه الرّوايات لا تعدو أن تكون بمدارها السّرديّ الكبير وبمناصاتها الّتي أشرنا إليها تسريداً للحالة النفسيّة والوجوديّة الّتي عاشها مؤنس الرزّاز في حياته الشّخصيّة.

2.7.أذكر أنّي استمعتُ إلى شهادة قالها مؤنس الرزّاز في مدينة بعيدة عن عمّان صائفة عام 1998، عبّر فيها في كثير من الألم عن الوضع العبثي الذّي وجد نفسه فيه منذ طفولته المبكّرة. فماذا سيحدث لو فشلت المؤامرة ولم ذاك الّذي حدث؟ هل سيكون مؤنس الرزّاز الكاتب الكبير الّذي ننظر في أدبه اليوم بعد موته؟ إنّ المسألة لعبةٌ أدّى فيه سوء الحظّ دورا من أدواره. لعلّ هذا الوضع الإشكاليّ يساعدنا على فهم تلك المناصات الّتي حللّناها. ففي شخصيّة مؤنس الرزّاز شيء من الالتباس والصّمت والخوف. فهل أنّ الكاتب مع الدّكتور مراد الّذي أزيح من موقعه القيادي بطريقة لا ديمقراطيّة، تتّسم بالعنف وزجّ به في الإقامة الجبريّة لينهي بقيّة حياته فيه، أم مع الدّكتور مراد الّذي انتقل مع رفاقه من موقع المقموعين إلى موقع القامعين، وهو يدرك أنّ النّاس يقولون حفّار البئر وقع فيه؟ وهل سيكون الكاتب مع الدّكتور مراد أو ضدّه وهو يرى ما قد حدث؟

أضف تعليقك